
محمد أمحجور ـ فاعل مدني وسياسي
لم يتيسر لي أن أتعرف مباشرة على المرحوم أيوب بوغضن، بَيْدَ أني أعرف والده الأخ الفاضل والعزيز بوغضن ابراهيم منذ بداية تسعينيات القرن الماضي من خلال العمل المشترك في القطاع الطلابي للجماعة الإسلامية وبعدها حركة الإصلاح والتجديد، وهي الفترة التي شهدت تمددا نوعيا تنظيميا ونضاليا ومؤسساتيا للعمل الطلابي، ولعل الحدث الأبرز الذي عشته معه في تلك المرحلة كان هو الخروج للعلن من خلال فصيل ”الطلبة التجديديون”. وقد كان أبُ أيوب رحمة الله عليه أحد أبرز الوجوه التنظيمية والنضالية للموقع الجامعي بجامعة ابن زهر في مدينة أكادير. وقد كنا نلتقي مرارا وتكررا في اللقاءات التنظيمية بمقر حركة الإصلاح والتجديد، بشارع المقاومة بالرباط، وهو نفسه مقر جرائد الحركة على التوالي الإصلاح، والراية والتجديد، كما كنا نلتقي أيضا في بعض ”الإنزالات الطلابية”، لكن اللقاءات التي عمقت تعارفنا وقوت رابطة الأخوة بيننا هي لقاءات ”المعتكفات التحضيرية” للجموع العامة الوطنية للقطاع الطلابي التي كانت تنعقد في العطلة الصيفية وتمتد لأسبوع أو أكثر، بحيث كنا نلتقي في اللجن التحضيرية ونعمل على إعداد ومراجعة وتحيين الأوراق التنظيمية والتصورية للعمل الطلابي. هذه هي العلاقة التي جمعتني بأب أيوب، ثم بعدها تجددت لقاءاتي به في بداية الألفية الثانية منذ سنة 2004، في إطار العمل التنظيمي والسياسي لحزب العدالة والتنمية.
كنت أسمع عرضا باسم أيوب بوغضن، لكنني فجعت كما فجع كثير من الاخوة والأخوات بحدث وفاته التي كانت فاجعة بحق بالنظر إلى سبب الوفاة، لكن الفاجعة كانت بالخصوص مرتبطة بسن أيوب الذي لم يجاوز حين وفاته سن 24 سنة، وبالمناسبة كم هو قاس ومؤلم أن يدفن الأب ابنه، كان الله في عون أخينا إبراهيم. وحين متابعتي للجنازة وما بعدها، تفاجأت بحجم النعي والتأبين، وتفاجأت أكثر بمضامينهما، حيث الإشادة الواسعة بإسهامات أيوب الفكرية وقدراته الحجاجية. وأصدقكم القول، ولأنني لم أكن قد اطلعت يوما على إنتاجاته سواء الشفقية منها أو الكتابية، فقد أدخلت تلك الإشادة الواسعة في باب ”التعاطف” وردود الفعل الرازحة تحت وطأة الموت المفجع وغير المنتظر لأيوب. وقلت محدثا نفسي، إنما الإشادة أحاديثٌ من قلوب مفجوعة ليس إلا، فما عساه يكون كسب شاب في بداية العشرينيات، لعلها في أحسن الأحوال ”خربشات” شبل تربى في بيت قارئ نهم، ومثقف واسع الاطلاع كبير الفضول وكثيره، وهو حال الأب إبراهيم منذ عرفناه.
مرت الأيام، وصادفت إعلانا لإبراهيم بوغضن، قبيل معرض الكتاب لهذه السنة، يخبر من خلاله أنه أتم تحقيق كتاب ابنه المرحوم أيوب، الذي رحل وتركه مشروعا تحت عنوان ”التجارب الفكرية النقدية من داخل الحركة الإسلامية المعاصرة”، وأنه سيكون جاهزا للبيع في فعاليات معرض الكتاب لسنة 2026. وحين زيارتي للمعرض مررت برواق حركة التوحيد والإصلاح، اقتنيت بعض الكتب، كان من بينها كتاب أيوب، والحقيقة أنني اقتنيته من باب الدعم والتعاطف وإكراما لعلاقة الأخوة مع أب المرحوم. وحين عودتي إلى طنجة، وعلى عادتي تصفحت على مهل فهارس الكتب التي اقتنيتها، أثار انتباهي عناوين فصول كتاب أيوب، وتحول ذلك إلى فضول للاطلاع على الكتاب وقراءته، فشرعت في ذلك فإذا بي أغوص في الكتاب ولم أتركه إلا بعد أن أنهيته من الغلاف إلى الغلاف، وكلما تقدمت في القراءة، تأكد لي أن الإشادة الواسعة لمعارف أيوب بعقله وفكره وانتاجاته لم تكن من باب المجاملة ولا من باب أثر الصدمة، بل إنها كانت إشادة بعقل متقد وفكر متوهج وإمكان ”ثقافي” كبير رُزِئَت فيه المدرسة الإصلاحية التي انتمى إليها أيوب.
وما أثارني في الكتاب ليس هو متانة اللغة وسلاستها، ولا تناسق الأفكار وتسلسلها، ولا جودة الحجاج والاسترداد والتفكيك والبناء، وهي أمور حاضرة بقوة في كتاب أيوب وبشكل أنيق وممتع، لكن الذي أثارني على وجه الخصوص، وهو ما عمق عندي الإحساس بكبير الفقد، هو النفس الذي كتب به أيوب، وهو نفس كاد يختفي عند أبناء الحركة الإسلامية وعند شبابها بالخصوص، فقد صيغ الكتاب بخيط ناظم يمتح من منهج النقد الذاتي والجرأة في المراجعات، وكل ذلك باجتهاد كبير وباستفراغ جهد، و بإنفاق واضح للوقت في حسن القراءة ودقيق الاطلاع على الكتب والأفكار وتقليب النظر فيها، تقليب يجمع بين حدة النظر ودقيق التأمل في الكسب الفكري والتربوي والتنظيمي والنضالي لتجارب الحركة الإسلامية المعاصرة. وهذا أمر ضمر ضمورا شديدا عند الأغلبية الواسعة من أبناء التنظيمات الحركية والحزبية الذين انشغلوا بالوسائل والنظم والقوالب عن تجديد كسبهم في عالم الأفكار وأحوال النظر ومقامات التفكر والبصر.
إن هذا الملمح الذي أثار انتباهي هو ما جعلني لا ألتفت كثيرا إلى مواطن النقص أو التسرع أو الهنات التي لا يخلو منها كتاب، فأحرى أن يكون كتاب شاب في مقتبل العمر، بالرغم من أن أيوب رحمة الله عليه حلق عاليا في مقامات فكرية ونقدية يصعب على كثيرين الوصول إليها سواء الشباب من جيله، أو كثير من ”الشيوخ” من الأجيال التي سبقته. فلقد أعمل المرحوم أيوب مشرط نقده في مفاصل حيوية وأساسية في الكسب الفكري والتنظيمي للحركة الإسلامية المعاصرة، في كل من مصر وتونس والمغرب، وهذا وحده أمر يستحق التنويه والإشادة والإعجاب.
قبل الختام، أدعو كل من له رغبة في أن يكتشف أو أن يعيد اكتشاف ”مدرسة النقد الذاتي” أن يطلع على كتاب أيوب، لعل ذلك يسهم في تحريك الماء الراكد في كسب الحركات الإصلاحية المنطلقة من ”المرجعية الإسلامية” التي طال عليها الأمد فقست عقولها وتحجرت، واكتفت بما وجدت عليه الآباء المؤسسون، وتلك لعمري مفسدة عظيمة من مفاسد العمل الإصلاحي.
ختاما، أدعو كثيرا من أبناء جيل أيوب رحمة الله عليه، خاصة منهم أولئك الذين لا زالوا يشتغلون من داخل البنيات التنظيمية الحركية والحزبية والمدنية، ألا يكون استحضارهم لأيوب والتذكير برحيله في ذكرى وفاته، محصورا في تدوينات الإشادة وتغريدات الرثاء، بل أن يكون خير الرثاء لأيوب هو الاجتهاد في السير على خطاه قراءة وتفكيرا واستعمالا للعقل فيما ينفع، واقتحاما لمقامات تقليب النظر نقدا وتجديدا للفكر وللخطاب، وانتاجا للقول المفيد، وابتعادا عن التفاعل السطحي والمتسرع الذي غالبا ما يكون منتجا لهزيل القول وسقيمه، ولقبيح الإساءة تعريضا وترذيلا.
رحم الله أيوب وألحقنا به مسلمين مؤمنين غير ضالين ولا مضلين.



