شمال 360مقال رأيوزان

التغيير المؤجل: حين تعيد السياسة إنتاج نفس الوجوه

الدكتورة عواطف الغالي.

في كل محطة انتخابية، يتجدد الأمل لدى المواطن في أن تحمل صناديق الاقتراع ملامح تغيير حقيقي، وأن تفرز نخبا قادرة على مواكبة تطلعات المجتمع والاستجابة لحاجياته. غير أن المتأمل في واقع إقليم وزان، يلاحظ مفارقة تثير الكثير من التساؤلات: نفس الوجوه تتصدر المشهد الانتخابي لسنوات، بل لعقود أحياناً، دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على واقع الإقليم وتنميته.

هذا المعطى يدفعنا إلى طرح سؤال جوهري: هل يعاني الإقليم فعلاً من خصاص في الكفاءات والأطر الشابة القادرة على تحمل المسؤولية؟ أم أن الأمر يتعلق بمنطق تدبير التزكيات داخل الأحزاب، حيث يتم تفضيل “الوجوه المضمونة انتخابياً” على حساب الكفاءة والتجديد؟

وغالباً ما يُطرح سؤال جاهز على كل من ينتقد هذا الواقع: “لماذا لا تترشح أنت أيضاً؟”. وهو سؤال يبدو في ظاهره دعوة للمشاركة، لكنه في العمق يتجاهل إكراهات معروفة. فهل مجرد الرغبة في الترشح كافٍ؟ وهل تفتح الأبواب فعلاً أمام كل من يملك الكفاءة والنية؟ أم أن الطريق تمر عبر مسارات معقدة، تتحكم فيها التزكيات الحزبية، وشبكات النفوذ، وما يُشبه “لوبيات” انتخابية تعيد ترتيب نفس الوجوه في كل مرة؟

وإذا وسّعنا زاوية النظر، سنجد أن الإشكال لا يتوقف عند حدود الانتخابات فقط، بل يمتد إلى طريقة التعامل مع الفاعل الجمعوي. فبدل أن تكون الجمعيات فضاءً لتفريخ الكفاءات وصقل التجارب الميدانية، يُلاحظ في بعض الأحيان نوع من التردد أو حتى الهروب من دعمها، وأحياناً تُترك لتواجه صعوباتها أو تُحاصر في بداياتها. وهو ما يحدّ من بروز طاقات جديدة قادرة على الانتقال من العمل الجمعوي إلى الفعل السياسي، ويُبقي نفس الدائرة مغلقة.

لا يمكن إنكار أن الساحة تزخر بطاقات شابة وكفاءات مؤهلة، سواء داخل الإقليم أو خارجه، لكنها غالباً ما تصطدم بجدران غير مرئية: ضعف الدعم، غياب تكافؤ الفرص، وهيمنة العلاقات التي تعيد إنتاج نفس الأسماء في كل استحقاق. وهنا تتحول الانتخابات من فرصة للتغيير إلى آلية لإعادة تدوير النخب.

في المقابل، لا يمكن إغفال دور الناخب في هذه المعادلة. فاستمرار نفس الوجوه في مواقع القرار يعكس، بشكل أو بآخر، اختيارات انتخابية تتأثر بعوامل متعددة، منها الثقة، أو المصالح، أو حتى غياب بدائل واضحة ومقنعة. وهو ما يجعل مسؤولية التغيير مسؤولية مشتركة، لا تقتصر على الأحزاب فقط، بل تشمل أيضاً وعي المواطن وانخراطه.

إن إقليم وزان، كغيره من الأقاليم، لا يحتاج فقط إلى تمثيلية سياسية شكلية، بل إلى نفس جديد، وإرادة حقيقية في القطع مع منطق الركود. يحتاج إلى نخب تؤمن بالفعل العمومي كوسيلة لخدمة الصالح العام، لا كوسيلة للحفاظ على المواقع، وإلى بيئة داعمة تفتح المجال أمام المبادرات الجمعوية بدل إضعافها.

التغيير ليس شعاراً يرفع في الحملات الانتخابية، بل مسار يتطلب شجاعة في الاختيار، وجرأة في منح الفرصة للكفاءات الجديدة، وفتح المجال أمام تنافس حقيقي قائم على الكفاءة لا على الامتيازات غير المعلنة.

فهل آن الأوان لكسر هذه الحلقة المغلقة، وفتح المجال أمام جيل قادر على صنع الفارق؟ أم أننا سنظل ندور في نفس الدائرة، نعيد نفس الوجوه وننتظر نتائج مختلفة؟

الشمال 360

منصة الكترونية شاملة تتناول قضايا شمال المغرب من كل الزوايا وفق رؤية جديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى