
في عمق جبالة، وتحديداً بجماعة أربعاء عياشة بإقليم العرائش، لم تكن الدورة الـ14 لمهرجان “ماطا” الدولي للفروسية مجرد احتفالية فلكلورية عابرة للاحتفاء بجياد القبائل وصون التراث اللامادي. بل إن من يملك أدوات تفكيك الشفرات السياسية، يدرك سريعاً أننا أمام هندسة سياسية رفيعة المستوى، جرى ترتيبها بذكاء شديد في توقيت إقليمي وجهوي بالغ الحساسية.
لقد نجح المنظمون (بقيادة نخب حزب الاستقلال) في تحويل لعبة شعبية عتيقة إلى “مركز ثقل” استقطابي إلى واجهة للدعاية السياسية قبيل الانتخابات التشريعية، فبينما كان الفرسان يتنافسون في الميدان على ظفر “دمية القش”، كان السياسيون والمنتخبون في الكواليس يخوضون سباقاً محموماً من نوع آخر: سباق حصد “الشرعية الثقافية” وتوسيع رقعة النفوذ في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة.
الملاذ الآمن للنخب: براغماتية البحث عن “صك الغفران”
لم يكن توافد كبار المسؤولين والوزراء والمنتخبين على خيام المهرجان مجرد مجاملة بروتوكولية، بل عكس محاولة ذكية لصناعة “إجماع نخبوي” مؤقت. وفي وقت تواجه فيه المجالس المنتخبة بالإقليم ضغوطاً تنموية واجتماعية متزايدة، تحول مهرجان “ماطا” إلى ملجأ سياسي آمن يربط النخبة بالجماهير، ويصنع صورة توافقية عابرة للخلافات الحزبية الضيقة.
تحت غطاء دعم الاقتصاد التضامني ومعارض المنتجات المجالية، ينجح الفاعلون في امتصاص غضب “الهوامش”، محولين الموروث القبلي إلى “رأسمال سياسي” جاهز للاستثمار مع اقتراب أي استحقاقات انتخابية قادمة، وتثبيت نفوذ العائلات السياسية التقليدية بالمنطقة.
“تحت غطاء دعم الاقتصاد التضامني ومعارض المنتجات المجالية، ينجح الفاعلون في امتصاص غضب “الهوامش”، محولين الموروث القبلي إلى “رأسمال سياسي”
جدلية “التطبيع الثقافي” ورهان العالمية
أثارت بعض المشاهد والمواضيع والخطوات ذات الطابع ” الانفتاحي ” في المهرجان تساؤلات وانتقادات محليّة حول الغاية من إقحام مواضيع أو مظاهر تُوصف بـ”التطبيعية” مع الكيان الصهيوني أو البعيدة عن الهوية المحافظة للمنطقة. غير أن تفكيك هذا الإصرار يكشف عن رغبة المنظمين في ضرب عصفورين بحجر واحد:
-
أولاً: تسويق المهرجان دولياً كمنصة عالمية للتعايش و”حوار الثقافات”، وهي الورقة التي تضمن تدفق الدعم المالي والسياسي، وتسرّع من إدراج التراث ضمن قوائم المهرجانات الكبرى.
-
ثانياً: تقديم نخب المنطقة كجهات راعية للاعتدال والانفتاح والتسامح ، حتى وإن تطلب ذلك القفز فوق التحفظات الشعبية المحلية والدوس على موقف المنطقة من التطبيع .
خلاصة القول
لقد أثبت مهرجان “ماطا” لعام 2026 أنه بمثابة “البورصة السياسية لشمال المملكة”؛ مشهد ذكي تتداخل فيه حسابات صناديق الاقتراع بتحالفات القبائل ورسائل الدبلوماسية الناعمة. وبات واضحاً أن السياسيين اليوم بحاجة ماسة إلى “دمية ماطا” كحبل غسيل لتجديد شرعيتهم.. أكثر بكثير من حاجة هذا التراث الأصيل إليهم.



