
عادل بنونة فاعل سياسي ونقابي
في السياسة كما في الطبيعة، لا تبدأ الكوارث دائماً بصوتٍ مرتفع، بل كثيراً ما تبدأ من الشقوق الصغيرة التي تتسلل منها القوارض إلى جدران البيت. هكذا يبدو المشهد اليوم؛ دولة تواجه تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية متشابكة، فيما تتكاثر داخل بعض مفاصلها ما يمكن تسميته بـ”الفئران السياسية”، أي شبكات الانتهازية والريع وتضارب المصالح التي حولت جزءاً من المؤسسات والوظائف العمومية من فضاءات لخدمة الصالح العام إلى آليات لإعادة إنتاج الامتيازات وحماية المصالح الخاصة، في تعارض صريح مع المبادئ الدستورية للحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتبرز ظاهرة “الفراقشية” كنموذج رمزي لاختلالات بنيوية تتجاوز بعدها التجاري أو الظرفي، لتطرح أسئلة عميقة حول شفافية تدبير المال العام، وعدالة توزيع الدعم العمومي، واحترام قواعد المنافسة الحرة والنزيهة المنصوص عليها دستورياً وقانونياً.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي باستنزاف الموارد العمومية، بل تُنتج مع مرور الوقت ما يشبه “الفيروس السياسي” الذي يضرب مناعة الدولة وثقة المجتمع ومصداقية المؤسسات. فكما يهدد فيروس Hantavirus الجسد البيولوجي، فإن الفساد والاحتكار والريع يهددون التوازن المؤسسي للدولة ويقوضون أسس التعاقد الاجتماعي الذي يقوم عليه النظام الدستوري.
لقد كشفت النقاشات السياسية والإعلامية المرتبطة بالدعم العمومي، واستيراد المواشي، وسلاسل القمح والأعلاف، وقطاع المحروقات، حجم التركيز الاقتصادي داخل قطاعات حيوية، حيث تتحول بعض المجموعات الاقتصادية إلى مستورد ومحوّل ومنتج وموزع في الآن نفسه، بما يؤدي عملياً إلى إضعاف المنافسة وخلق وضعيات احتكار أو هيمنة اقتصادية تتعارض مع روح الفصل 36 من الدستور، الذي يجرّم الممارسات المنافية للمنافسة الحرة والنزيهة، ويُلزم السلطات العمومية بمحاربة كل أشكال الريع والفساد واستغلال النفوذ.
وعندما يُقدَّم الدعم العمومي باسم حماية القدرة الشرائية وتحقيق الأمن الغذائي، ثم تنتهي نتائجه إلى تضخم ثروات فئات محدودة مرتبطة بمراكز النفوذ السياسي والاقتصادي، فإن الأمر لا يتعلق فقط بسوء تدبير مالي، بل يمس جوهر العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون. كما أن الحديث عن مليارات الدراهم التي تحملتها ميزانية الدولة في شكل إعفاءات أو دعم مباشر، دون أثر ملموس على الأسعار أو على القطيع الوطني أو على الأمن الغذائي، يفرض ضرورة تفعيل آليات التقييم والمراقبة والمحاسبة المنصوص عليها في الدستور والقوانين التنظيمية ذات الصلة بالمالية العمومية والحكامة الترابية.
إن أخطر ما تفعله هذه “الفئران السياسية” ليس فقط نهب المال العام، بل تقويض الثقة الجماعية في المؤسسات وفي جدوى المشاركة السياسية نفسها. فعندما يرى الشباب أن البطالة تتفاقم، وأن الولوج إلى الفرص يتم أحياناً بمنطق الولاء لا الكفاءة، وأن الاحتجاجات الاجتماعية تواجه بمنطق أمني أكثر منه حوارياً، فإن الشعور بالإقصاء يتعزز، ويتحول العزوف الانتخابي من مجرد موقف فردي إلى تعبير جماعي عن أزمة ثقة عميقة.
وحين يشعر المواطن أن المؤسسات التمثيلية والرقابية عاجزة عن تفعيل اختصاصاتها الدستورية، سواء عبر لجان تقصي الحقائق أو عبر آليات الرقابة البرلمانية وتقييم السياسات العمومية، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تعطيل المحاسبة، بل في تآكل الوعي السياسي وترسيخ الاعتقاد بأن المجال العام لم يعد فضاءً للتنافس الديمقراطي النزيه، بل مجالاً لتبادل المصالح وإعادة إنتاج النفوذ.
ويؤكد علماء الاجتماع والعلوم السياسية أن الدول لا تنهار دفعة واحدة، بل تضعف تدريجياً عندما تتحول الإدارة إلى أداة لخدمة شبكات المصالح، وعندما يتم إقصاء الكفاءات لصالح الولاءات، وعندما يصبح القرار العمومي خاضعاً لمنطق الحماية المتبادلة بدل منطق خدمة الوطن والمصلحة العامة. وفي هذه اللحظة يصبح الخطر اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً في الآن نفسه، لأن استنزاف الموارد العمومية يؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية، وإضعاف الطبقة الوسطى، وإفلاس المقاولات الصغرى والمتوسطة، وارتفاع منسوب الاحتقان وفقدان الثقة في المؤسسات.
إن حماية الدولة لا تتم فقط عبر الحفاظ على الأمن والاستقرار، بل أيضاً عبر ضمان العدالة الاقتصادية والشفافية وتكافؤ الفرص. فالدولة الاجتماعية، كما نص عليها الدستور المغربي، لا يمكن أن تستقيم في ظل اقتصاد الريع والاحتكار، ولا يمكن أن تحقق التنمية المستدامة دون ربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل استقلالية مؤسسات الحكامة، وضمان نجاعة القضاء، وحماية المال العام من كل أشكال الاستغلال غير المشروع.
ومع ذلك، فإن مستقبل الأوطان لا يُبنى بالتشاؤم أو بخطابات اليأس، بل بإرادة الإصلاح وتجديد الثقة في المؤسسات. فالمغرب راكم خلال العقود الأخيرة مؤسسات دستورية ورقابية مهمة، ويمتلك من الكفاءات الوطنية والطاقات الشبابية ما يؤهله لتصحيح الاختلالات واستعادة التوازن بين السلطة والمسؤولية، وبين الاقتصاد والمصلحة العامة. كما أن تعزيز استقلالية مؤسسات الحكامة، وتوسيع مجال الرقابة البرلمانية، وتكريس الشفافية في تدبير الدعم العمومي والصفقات العمومية، وربط الامتيازات بالمردودية، كلها مدخل أساسي لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن الإصلاح الحقيقي لا يعني هدم المؤسسات، بل تحصينها من الاختراق، ولا يعني مهاجمة الدولة، بل الدفاع عن مشروع دولة القانون والمؤسسات. فالأوطان التي تمتلك الشجاعة لمواجهة أعطابها قادرة دائماً على تجديد نفسها، وتحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء تعاقد سياسي أكثر عدلاً وإنصافاً وكرامةً لجميع المواطنين.



