صحة وتعليممجتمعمقال رأي

أولوية تدارس القرآن الكريم للناشئة كتاب: سبح اسم ربك الأعلى نموذجا

مما لا شك فيه أن القرآن الكريم كتاب قيم وأخلاق جليلة، ومرجع ثمين لتطوير شخصية الإنسان وتعزيز مهاراته وسلوكياته، لذا وجبت مدارسته تلاوة وحفظا وتدبرا، بغية تحصيل فوائد نفسية واجتماعية، روحية ودينية.

وفي هذا الصدد، نلقي الضوء على إصدار جديد، يعتبر باكورة أعمال الأستاذة الفاضلة نوال عبد القادر أمحجور، مديرة دارالإحياء للنشر والتوزيع بطنجة، المعنون ب:( سبح اسم ربك الأعلى: تفسير حزب سبح للناشئة )

عندما نتتبع مضامين هذا الكتاب المبارك، نجد أنفسنا أمام عمل يوثق صلة الإنسان المسلم بخالقه، ويضع معالم الهداية بين يديه، خاصة أنه موجه للناشئة، وكأن الكاتبة تدعوهم من خلاله إلى العودة الرشيدة إلى القرآن الكريم، باعتباره يهدي للتي هي أقوم، حتى يستطيعوا مواجهة ما يعصف بالأمة من محن وفتن.

ولهذا، كان اختيارها لحزب سبح ـ وهو حزب عظيم وجليل ـ اختيارا وجيها وممنهجا لحكمة بليغة، باعتبار أن سور هذا الحزب إذا حفظها الإنسان المسلم وفهم معانيها، وتمثلها تكفيه في الهداية وتكفيه منهاجا في الحياة.  

فهي على قصرها ومحدوديتها حرفيا، عظيمة وغير محدودة في الدلالات والمعاني؛ لأنها تضم كليات الهداية، اجتمعت فيها كليات معاني القرآن الكريم :

ـ نجد في حزب سبح احتفاء بالقرآن الكريم ونزوله في سورة القدر وسورة العلق.

ـ نجد فيه كلاما عن سيدنا رسول الله في سورة الضحى والشرح.

ـ نجد فيه ذكر لنبيين ” سيدنا موسى وإبراهيم “.

ـ نجد في هذا الحزب تنويها بالبلد الحرام في سورة الفيل وسورة قريش وسورة البلد وسورة التين.

ـ نجد كذلك اهتماما بمواضيع كبيرة وعظيمة كالمرأة والمال

ـ ونجد فيه التزكية أيضا [ قد أفلح من زكاها ]

ـ نجد الترغيب في الآخرة، والمعنى الحقيقي للخسران والنجاح، وغير ذلك من المعاني العظيمة التي يحتاجها الإنسان في الهداية.

ولقد اختارت الكاتبة أسلوب المدارسة  في تفسير حزب سبح. ومدارسة القرآن معناه: قراءته وتعلمه وتدبره واستكشاف معانيه، وإثارة التساؤلات للاهتداء بهديه.

والغاية من مدارسته للناشئة؛ استنباط المنهج القرآني ووضعه في برنامج عمل تطبيقي، سواء كان تربويا أو علميا أو دعويا أو غير ذلك، بغية تحقيقه في مجالات الحياة كافة.

ومن هذا المنطلق، حرصت أختنا نوال في هذا الكتاب من خلال مدارستها للقرآن مع أبنائها أصلحهم الله، أن تمرر رسائل جليلة دينية وتربوية وقيمية، وأن توضح أهمية تدبر كلام الله  والعمل به.

وأضع بين أيديكم بعضا منها:

1ـ الذين يتدارسون القرآن ينالون الأجر الكبير، وينعمون بطمأنينة القلب. ففي حديث هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ]

ومما جاء في الكتاب قول مالك:” خاتمة سورة الفجر تلقي ظلالا من السكينة والراحة.” وقول عياض :” سحرتني هذه السورة ، حتى إيقاعها الموسيقي مثير.”  وهذا خير دليل على ثمرة مدارسة القرآن .

2ـ الذين يتدارسون القرآن، يتلون كلام الله تعالى، الذي هو أفضل الذكر. فمن قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها كما نعلم جميعا.

وقد وضعت الكاتبة نصب عينيها هذا الهدف، فتجدها في بداية تفسير أغلب سور حزب سبح تردد الجملة التالية : ” نحمد الله أن يسر لنا سبل هذا المجلس وصرف عنا موانعه، لنجلس إلى كتاب ربنا ننهل منه خيرا وبركة، ونبدأ أولا بقراءة سورة كذا… “

3ـ الذين يتدارسون القرآن، تتفتح لهم الآفاق لتدبر كلام الله تعالى مصداقا لقوله: [ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق] وهذا التدبر يكون بالأمر في النظر إلى مخلوقات الله سبحانه وتعالى، والتنبيه إلى نتائج هذا النظر؛ أي البحث عن الله في ما خلق الله، لأخذ العبرة والموعظة، وتعظيم قدرة الخالق.

وهنا أستحضر كمثال على ذلك، عندما أنهت الأم شرح سورة الغاشية، وجهت أبناءها نحو هذا المقصد قائلة : ” ولكم أن تبحثوا عن تصميم جسد الجمل لتروا قدرة الله العجيبة ” وكان من نتيجة هذا التوجيه والتحفيز أن بحث كلا من مالك وعياض عن الإعجاز في خلق الإبل، بينما إخلاص عن الإعجاز في خلق الجبال.

4 ـ الذين يتدارسون القرآن، يقومون بإحياء سنة وعبادة عظيمة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم، سها عنها الكثير من الأنام في زمننا هذا.

ناهيك عن ذلك ، فقد حرصت الكاتبة أثناء التفسير، تعزيز شرحها بأحاديث نبوية شريفة، إيمانا منها بأهمية السنة باعتبارها مصدرا أساسيا للتشريع الإسلامي. و أمثلة ذلك في الكتاب كثيرة، فعند تفسيرها للقسم بالليالي العشر في سورة الفجر والتي قد تكون الليالي الأولى من شهر ذي الحجة أو الأخيرة من شهر رمضان، قالت: ” فالأولى قال عنها المصطفى عليه السلام [ ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ]

وقول ابنها مالك عند شرحها لسورة القدر: [ صدقت فقد أخبرنا رسول الله أن أعمار أمتنا بين الستين والسبعين ]

فضلا عن أنها قد خصصت وقفة مع سيرة المصطفى عليه السلام، وإن دل هذا الأمر على شيء، فإنما يدل على سعة اطلاع الكاتبة على السنة .

5 ـ الذين يتدارسون القرآن، يرشدهم الله إلى ما في آياته من هدايات وعبر، تقود البشرية إلى بر الأمان، وهذا هو المقصد منه بالأساس.

ومن أنوار الهدايات في هذا الشرح المبارك، أقف عند تفسير أختنا نوال لسورة العصر؛ هذه الأخيرة على قصرها جمعت من العلوم ما جمعت، أربع أركان للصلاح والهداية [الإيمان ـ العمل الصالح ـ التواصي بالحق ـ التواصي بالصبر] فالإنسان إذا آمن فهذا يستدعي منه أن يعمل عملا صالحا، وبما أن من شروط الإيمان أن يحب الإنسان لأخيه ما يحبه لنفسه، فيتواصى معه على الحق وعلى الخير، وهذا الأمر يتطلب صبرا؛ فيتواصى بالصبر، دون أن نغفل الاهتمام بالوقت والتنبيه على أهمية استثماره في المرحلة الزمنية التي هي حياته الدنيا.

هذا الكتاب حقيقة فيه ميزات عديدة؛ فبالإضافة إلى الدروس والعبر المستفادة من الآيات، نجد الدروس والعبر التي تستقيم بها الحياة، وأقصد بكلامي هذا التربية على القيم.

فالمتتبع للأثر التربوي في هذا الشرح، يجد رسائل تربوية عديدة، ترسخ لقيم تلعب دورا مهما في بناء الشخصية المسلمة السوية، وأذكر من بينها:

قيمة مجالس الذكر في الأسرة: نبهت أختنا نوال لأهمية هذه القيمة، من خلال تخصيصها جلسة أسبوعية مع فلذات أكبادها، يستلهمون فيها نورا من كتاب الله تعالى، وأريجا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، من خلال حوارات ونقاشات فكرية ودينية وتربوية، تتخللها لحظات ترفيهية أيضا، تغني أبناءنا عن فيروس مواقع التواصل الاجتماعي.

فاختيار يوم الجمعة، لم يكن اختيارا عفويا أو اعتباطيا، بل كان اختيارا مقصودا، لما نعلم جميعا كمسلمين فضل يوم الجمعة وبركاته وطقوسه الخاصة به؛ فكلما ذكرت مثلا رائحة البخور الطيبة التي تعطر مجلسهم، كنت أعيش المشهد بصدق، وأتخيل تلك الأجواء الروحانية المفعمة بالإيمان في ضيافة الرحمان.

إنها بهذا التنبيه تدعو جميع الأسر المسلمة أن تحذو حذوها، وأن تتفطن لأهمية هذه المجالس في تزكية النفس وتهذيبها، ويمكن تحقيق هذه الغاية بآليات متعددة؛ كأن نخصص مثلا جلسة شهرية لتدارس سيرة النبي العطرة والتخلق بأخلاقه، أو نتناول اسما من أسماء الله الحسنى نغوص في أعماق أسرار معانيه، أو قصة من قصص الأنبياء والصالحين نستوحي منها المواعظ والعبر، أو نحفظ الأذكار والأدعية والأوراد اليومية نتحصن بها من جميع الشرور وغير ذلك.

2 ـ قيمة تعظيم حق الوالدين: في هذا الكتاب إشارات عميقة لمنزلة الآباء ، ووجوب التأدب معهما واستشعار مكانتهما ونعمة وجودهما في الحياة.

فقد جاء على لسان إخلاص ابنة أختنا نوال ما يلي: ” تفضلي أمي هذا مكانك، أعددناه وكأن عروسا ستجلس فيه “

وليان رددت بحروف مفعمة بالعطف والمحبة :” شكرا أمي وهذه قبلتي، ولأبي ضمة كبيرة عند عودته”

نتساءل إذن : ترى من أين اكتسبت هذه الأسرة مشاعر الدفء والمحبة؟ إنها اللمة وتكامل أدوار الوالدين؛ فالأب وإن كان لا يجلس معهم، فهو يبارك عملهم، ويتتبع خطاهم، ويحفزهم على الاستمرارية من خلال ما أسماه الأبناء بالإكرامية؛ أي الجائزة التي يستحقونها جزاء لهم بالالتزام بالموعد الأسبوعي حضورا واستظهارا ومدارسة.

3ـ أحب أخيرا أن أشير إلى الملكة اللغوية التي تتمتع بها الكاتبة والتي مكنتها من شرح الألفاظ ومدلولاتها، وتوظيف قواعد اللغة العربية وضبطها، ويبدو ذلك واضحا من خلال الجهد الكبير المبذول في تشكيل النصوص، اجتنابا للحن الذي يفسد المعنى، وضمانا للنطق السليم، ورغبة في تجويد الكلام. وقد اكتسبت هذه الملكة ـ من دون شك ـ من تعاملها المستمر مع القرآن ، والتأثر بأسلوبه وقراءة كتب التفسير.

لقد استطاعت الكاتبة بأسلوبها الميسر، ونهجها المحبب، أن تجعل من هذا الكتاب تطبيقا عمليا لربط الناشئة بكتاب الله، وتعظيم شأنه في نفوسهم، وهذا أعز ما يطلب. فما أحوج أبناء أمتنا لذلك خاصة في ظل التحديات التي نعاصرها وتحاصرنا.

وأرجو أن يهيئ الله الأسباب لهذا الكتاب حتى يدمج ضمن برامج المقررات الدراسية لتعم الفائدة ويتحقق المبتغى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى