من تاريخ بادية الشمال: وادي راس [3]

بلال الداهية
لتوسطها الطريق يبن تطوان وطنجة حاضرتي الناحية الشمالية كلها، ولجوارها بلاد الفحص موطن الجيوش الريفية والأعرابية التي استخدمها سلاطين العلويين الأوائل في حصار طنجة والثغور المحتلة، فإن قبيلة وادي راس كانت تحتضن الكثير من المهاجرين الذين جاؤوا إليها من مناطق عديدة: منهم من هاجر من الهبط وبالضبط من قبيلة بني زكار (كانت تعرف ببني فنزكار قديما والنسبة إليها الزكاري أو الفزكاري والعائلتان معا موجودتان بكثرة عددية مهمة في وادي راس)، أو من بلاد ورغة شمال فاس كحال أولاد أجانة، أو من بلاد الريف كالمرابطين الغلبزوريين أو أولاد أكزناي في “دار الغابة” وفرعهم المدعو “ابن سالم” من أكبر عائلات القبيلة. وأصل هذه العصبة من قبيلة اكزناية في أقاصي جبال الريف. ومن هذا القبيل أيضا أولاد “ابن زهرة” ب”الجوامعة” وأصلهم من بني توزين… وحتى الجوامعة أنفسهم يبدو أن أصلهم من أعراب أولاد جامع الذين بناحية فاس.
ولما كانت الأسر في المدن والبوادي معا تشتهر في العادة بحملة العلم أو بحملة السلاح وأهل السياسة، فإن بلاد وادي راس لا تذكر إلا ويذكر معها بنو تاويت، وهم أهل علم كابرا عن كابر، موطنهم منذ قرون بمدشر “تويتش” من أعمال مركز “عين الحصن” الشهير، وهي أسرة اختلف في لقبها بين من رده إلى تحريف عن صيغته الأصلة “ابن ثابت”، والقائلون بهذه الفرضية يزعمون أن أصل هذه العائلة من تلمسان، وهذا مؤكد بالنسبة لآل ابن ثابت الفاسيين الذين جاؤوا إلى فاس من تلمسان ويدعون الشرف بغير حجة. وقد رأيت عند العلامة محمد ابن تاويت ميلا إلى رأي آخر هو القول بأن نسب الأسرة في صنهاجة وأنها من مهاجرة إشبيلية الذين نزلوا أولا في سبتة ثم منها إلى جبال وادي راس، فليراجع ذلك في موضعه.
ولا يذكر مدشر “التجالة” إلا وتذكر معه أسرة السباعيين التي خرجت منها في أول القرن الماضي امرأة تدعى “خدوج” كانت أول أمرها تجمع حولها عصبة من الرجال وتمتهن قطع الطريق، وكانت مشهورة بإتقانها فن الرماية. فلما دخل الإسبان البلاد حملت السلاح مع أتباعها لقتالهم، وأسلوبها في القتال كان أسلوب “حرب العصابات”، ومن أمثلة ذلك أنها اعترضت في إحدى المرات مع عشرين من أتباعها بعض الجنود الإسبان في ضريح مجهول يوجد بأول مدشر “التجالة” يعرف ب”سيدي المخفي”، والمعروف أن أهل وادي راس كانوا يجتمعون عنده عادة للتشاور، فقتلوا من الإسبان نحو خمسين رجلا. ثم فرت مع أصحابها ودخل الإسبان القرية فأحرقوا بعض منازلها انتقاما ومنها منزل خدوج. ولهذا فما إن وضعت حرب الريف أوزارها حتى بنى الإسبان بجوار مدشر التجالة هذا قلعة صغيرة يرابط فيها جنودهم لا زال بعض من أثرها إلى الآن.
تحظى وادي راس بموقع جغرافي مهم جدا لتوسطها الطريق بين تطوان وطنجة، وهما أمهات مدن الشمال، ولهذا كان بعض الأقدمين قد أرسلوا مثلا شعبيا نصه” المدن على فاس والقبائل على وادراس”. ومعناه أن فاس كانت عاصمة المغرب وأم مدنه، وأن وادي راس كانت تتوسط قبائل جبالة فكانت بمثابة العاصمة لها. ولهذا فإن هذه القبيلة لم تخل من بعض المواضع الشاهدة على أحداث كبيرة، ومنها موضع “قنطرة أبي صفيحة”، و”الصفيحة” صخرة ضخمة كانت بجوار هذا الموضع المنبسط الذي أقام به باشا تطوان أحمد بن عبد الكريم الحداد قنطرة مشهورة هي أول طريق المسافر من تطوان نحو طنجة، وبها وقع قتال بين الإسبان والمغاربة في “حرب تطوان” بداية عام 1276 هـ/ 1860م، وخرج فيه الإسبان منتصرين فتقدموا إلى “الحرشة” وهي بالموضع المسمى الآن “اسبيرادا” Esperada وعدوا على مدشر “أمزال” الواداراسي فأحرقوه، ثم انتهوا إلى “الفندق”، والنسبة إلى فندق كان ينزل به المسافرون بين طنجة وتطوان، بجوار عين الماء المعروفة ب”عين الحصن” فجرت به المعركة الأخيرة التي كانت أشد المعارك على الإسبان إذ خسروا بها نحو ألف ومئتين وثمانين من عساكرهم. وتلاها عقد الصلح بين الخنرال ليوبولدو أودونيل ممثل المملكة الإسبانية وبين الأمير العباس شقيق سلطان المغرب محمد بن عبد الرحمن، وذلك عند الموضع المسمى “زيتونة ابن سالم”.
وفي جبال فرقة “البكارة” يوجد موضع يسمى “الروضة” به غابة كثيفة قرب الحدود مع قبيلة أنجرة، يعتقد أنها الموضع الذي سماه البكري “فج الفرس”، والذي تشير المصادر الحديثة إلى أنه الموضع الذي قتل به السلطان محمد الشيخ المأمون السعدي عام 1613 بعد أن نقم عليه أهل الجبال بزعامة غيلان الكرفطي والمقدم أبي الليف المصوري وأهل تطوان ورئيسهم المقدم أحمد بن عيسى النقسيس لأمور كثيرة ليس هذا موضع تعدادها، وبهذه الحادثة خرجت الناحية الشمالية كلها تدريجيا عن طاعة الدولة السعدية.
وإذا كانت “الروضة” تطابق في الغالب “فج الفرس”، فإن القنصل الإسباني إيسيدرو دي لاس كاخيكاس Isidro de las Cagigas يزعم أن الفج هو الموضع المسىم الآن “ظهر القيطون” في قبيلة بني يدر. والله أعلم بذلك.



