تاريخ وجغرافياثقافة

من تاريخ بادية الشمال: بلاد الأخماس [3]

بلال الداهية

أما الشيخ الثاني فهو أشهر أعلام الأسرة اليلصوتية الأموية على الإطلاق أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الحق الزرويلي اليلصوتي المعروف بأبي الحسن الصغير بفتح الغين وكسر الياء المشددة. وقد ترجمه ابن الخطيب في “الإحاطة في أخبار غرناطة”، وكان من أعلام الفقه المالكي وله “التقييد” على مدونة سحنون. ولي قضاء فاس في سلطنة أبي الربيع سليمان بن عبد الله بن يوسف بن يعقوب المنصور المريني، ثم السفارة إلى الأندلس. وطبقت شهرته الآفاق حتى إن السلطان أبا سعيد المريني كان يصر على حضور مجالسه. وقد توفي سنة 719 هـ.

في العهد المريني بدأ الأشراف يظهرون لأول مرة في قبيلة الأخماس أسوة بسائر بلاد جبالة، وكان هؤلاء الأشراف من أصناف متعددة، ومنهم من شككت فيه دواوين الأنساب، ومنهم من طعنت في شرفه. فقد ظهر خمسان جديدان هما بنو تليد وبنو جبارة، وكلاهما كان يدعي شرف النسب، فحصل التشكيك بل الطعن فيهما معا. فعمود نسب بني تليد المقدم حسيني لا حسني وهو ما أثار الشك حوله إذ الأشراف الحسينيون في المغرب الأقصى قليلون جدا لدرجة أنه يبعد أن تتناسل منهم عشيرة في أقاصي البادية، وذهبت بعض التقاييد والنصوص القديمة إلى نسبة بني تليد إلى الصحابي عمار بن ياسر. وكلها أقوال لم يقم عليها دليل. وأما بنو جبارة فهم أكثر تمسكا بالانتساب إلى الشرف، إلا أن نص الإمام أبي القاسم بن خجو الحساني في القرن العاشر للهجرة/ السادس عشر للميلاد قد نفى عنهم هذه الصفة وذكر أنه لا يعلم لهم نسبة في آل البيت لا من قريب ولا من بعيد إلا رجلا واحدا في مدشر “أوذال”، ثم عد بعد ذلك من يعرفهم من مشايخ بني جبارة ومنهم أبناء أسر لا زالت موجودة إلى الآن، وأنه لا أحد منهم إطلاقا ادعى الشرف، وأن هذا الادعاء حدث لأول مرة في زمانه “بنبأ اتصل إليهم من نواحي الريف”. وقد فصل بعض النسابين في عشائر بني جبارة إمعانا في نفي شرف النسب عنهم.

وظهر في قبيلة الأخماس في العصر المريني الكثير من العمرانيين، ومن أهم مراكز الانتساب إلى الشرف العمراني مدشر “أبي حلة”، ومدشر “تمضيت” من خمس بني صالح حيث ظهرت عائلة عمرانية مشهورة هي عائلة “أكدي” (وهذه أيضا وجد من شكك في نسبها) وقد صارت هذه القرية مركزا لتعليم القرآن والإفتاء منذ العصر المذكور.

إلا أن أشهر قرية نزل بها الأشراف كانت قرية “غيروزيم” قريبا من الموضع الذي ستبنى فيه بعيد ذلك مدينة الشاون، فقد نزلت بها طائفة أولاد “النبخوت” المنتسبين إلى الشرف العمراني، وبها أيضا أسر “النجار” (وهي أسرة الرهوني مؤرخ تطوان) و”حجاج”. ثم تلاهم بعد ذلك قدوم ابني علال بن عبد السلام بن مشيش وهما محمد الملقب ب”السبع”، وأحمد الملقب ب”الذويب”، ويحكى أنهما أرسلا لإيقاف الحروب التي طالت آنذاك بين الأخماس وغمارة، فسكنا تلك القرية ليكونا حاجزين بين القبيلتين المتقاتلتين، وقد دفن محمد السبع بالجامع الأكبر في “غيروزيم”، ويقام الآن عنده موسم المولد النبوي، ودفن أخوه أحمد الذويب بجامع حومة “النباختة” من نفس المدشر.

وفي نهاية العصر المريني انضاف قسم جديد من أحفاد علال بن عبد السلام بن مشيش إلى النازلين بمدشر “غيروزيم”، فأطلق عليهم “شرفاء غيروزيم”، وهم الذين سكنوا بعيد ذلك مدينة الشاون إثر تأسيسها فعرفوا ب”الشرفاء الشفشاونيين”. وحينما بدأ الغزو البرتغالي لشمال المغرب تأسست في هذه القرية إمارة للجهاد أول حكامها هو أبو جمعة الحسن بن محمد العلمي الذي استشهد في قتال البرتغاليين بجوار قلعة الخروب من جبل حبيب، فخلفه ابن عمه علي بن موسى ابن راشد، وقد انفرد الوزان في “وصف إفريقيا” بنص يشير إلى طرده من قبيلة بني حسان ولجوئه إلى غرناطة، ومغادرته إياها بعد سنوات، ونعلم كذلك أن ابن راشد قد درس العلم بمعهد قرية “الخزانة” وقبله بقرية “الغدير”، قبل أن يستقر في “غيروزيم” ويخلف ابن عمه أبا جمعة بسبب خبرته الطويلة في محاربة النصارى في غرناطة. فاختط ابن راشد مدينة الشاون سنة 1471 وأصبح أبناؤه وأحفاده أمراء على المدينة إلى حدود العهد السعدي.

وأصبحت قبيلة الأخماس في العصور اللاحقة موضوعا لكتب الأنساب ودواوينها ووثائقها، وذلك لكثرة من ادعى الشرف فيها، وهذا الادعاء خلق للدولة العلوية على وجه الخصوص مشاكل جبائية ومالية كثيرة، فاضطرت إلى إرسال النقباء بكثرة لتمحيص الأنساب في هذه القبيلة. وإلى جانب بني جبارة الذين أثارت قضية انتسابهم إلى آل البيت ضجة كبيرة، فإن نماذج مشابهة قد وقعت في الأخماس منها نسب أهل مدشر “السقيفة” في خمس بني فلواط الذي نفي تارة وأثبت تارة أخرى، ومنها قضية الرحمونيين من أهل مدشر “غيروزيم” الذين تداولت المحاكم قضيتهم لقرون، وقد نفى عنهم النقباء صفة الشرف منذ بداية العصر العلوي وأثبتوا بالسماع أنهم نزلوا بمدشر “غيروزيم” في آخر القرن العاشر للهجرة/ السابع عشر للميلاد، قادمين من قبيلة “بقوية” الريفية.

ومن الريف أيضا من مدشر “تماديت” بقبيلة بني بونصار الصنهاجية قدمت أسرة “ابن حيون” إحدى أكبر أسر الأخماس فنزلت ب”تفراون” وانتشرت فروعها في “بني وطلي” و”أجلوان” وغيرها. وينتسب الجميع إلى الولي عبد الملك بن مروان دفين بني بونصار ويرفعون أنسابهم إلى عبد الله بن إدريس الأصغر، وكانوا يكتبون في رسومهم القديمة “ابن حيون السليماني”، ويقولون إنهم أبناء عمومة أولاد السليماني حفدة الولي المذكور في بني بونصار. وقد شكك النقباء في نسبة عبد الملك هذه ثم أثبتوها بعد ذلك واعترف لهم السلاطين العلويون بالشرف الإدريسي بظهائر خاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى