مقال رأي

مسلسل فتح الأندلس وجدلية المشرق والمغرب

محمد بوزيدان

منذ خمسينيات وأربعينيات القرن الماضي وأهل المغرب يُقبلون على مُنتجات استوديوهات القاهرة، ويحفظون عن ظهر قلب أسماء نجوم السينما وأحداث الأفلام والمسلسلات المصرية، سواء كانوا نخبة سينمائية من ممثلين ومخرجين مغاربة، فيتحدثون عن السينما المصرية حديث الخبراء العارفين، أو كانوا من عامة الناس والذين لا يترددون في إظهار إعجابهم وانبهارهم بالإنتاج السينمائي والدرامي المصري، الذي رافقهم طيلة مراحل عمرهم، وتنَوّعَ من أعمال ذات بعد اجتماعي أو عاطفي أو ديني أو تاريخي. سبب هذا الإطراء راجع بالأساس إلى تفوق السينما المصرية في وقت كان فيه المغرب والبلدان المغاربية تبحث عن استقلالها ولم تبدأ بعد بتأسيس فنها السينمائي. يُذكر أن أول فيلم سينمائي تم إنتاجه في المغرب يعود لسنة 1958 “الابن العاق” لمحمد عصفور وكان بالأبيض والأسود ومدته لا تتجاوز 36 دقيقة.

وفي طريقها لنيل الاستقلال وجدت الشعوب المغاربية في الإنتاج السينمائي الآتي من المشرق تعبيرًا عن طموحها للتخلص من الاستعمار الأجنبي، وسَندا نضاليا ارتبط بوعي سياسي قومي متزايد عبرت عنه بعض الأعمال السينمائية المصرية، كفيلم “جميلة” الذي يُوَثِّق قصة المناضلة جميلة بوحيرد، وهي واحدة من أهم النساء الجزائريات التي كافحت من أجل استقلال بلدها، كما يُلقي هذا الفيلم الضوء على دور المرأة الجزائرية والمغاربية في الثورة والنضال ضد المستعمر، وفي هذا السياق نستحضر اسم مليكة الفاسي، المغربية التي انخرطت في كتلة العمل الوطني وكانت المرأة الوحيدة التي وقعت على وثيقة 11 يناير 1944 للمطالبة باستقلال المغرب، إلى جانب أكثر من ستين مقاوما.

أُنتج فيلم “جميلة” سنة 1958 بعد عام واحد من اعتقالها وتعذيبها، وقد منعته حكومة احتلال الجزائر لسنوات، وهو من إخراج يوسف شاهين وتأليف كل من عبد الرحمان الشرقاوي، علي الزرقاني ونجيب محفوظ، وقد جسد دور “جميلة” الممثلة المصرية ماجدة مع مشاركة خيرة نجوم السينما المصرية نذكر منهم، أحمد مظهر، صلاح ذو الفقار، رشدي أباظة، حسين رياض ومحمود المليجي.

لم يقف أمر التعاون السينمائي بين المشرق والمغرب عند بعض الأعمال السينمائية المعزولة، بل تطور فيما بعد إلى الإنتاج المُشترك، فبدأنا نسجل حضورا للممثلين المصريين في بعض الأعمال المغاربية، حيث شارك محمود مرسي في أفلام مغربية، خاصة مع المخرج عبد الله المصباحي. كما ساهمت الأموال الجزائرية في إنتاج بعض أفلام يوسف شاهين وغيره منها “العصفور، عودة الابن الضال” كما اهتم عدد من المخرجين المغاربة بالممثلين المصريين جميل راتب نموذجا الذي ساعده إتقانه للغة موليير في المشاركة في أفلام مغربية وفرنسية، وصَوَّر المُخرج مومن سميحي فيلما في القاهرة، كما حقق المخرج التونسي فريد بوغدير فيلما هاما عن السينما المصرية، أما رضا الباهي وهو مخرج تونسي أيضا، فقد غاص أكثر في سينما القضية الفلسطينية. كما لا ننسى أنه منذ نشأة مهرجان قرطاج في تونس ومهرجان مراكش في المغرب، كانت للسينما المصرية حصة كبيرة فيهما، وحضور النجوم المصريين من عدمه يعتبر مقياسا لنجاح هذين المهرجانيين أو فشلهما.

    لكن بالمقابل هل هناك اهتمام مصري بما ينتج في البلدان المغاربية حاليا، أم أنه انقطع منذ حصول هذه الدول على استقلالها، وما واكبه من دعم وتظاهر في مصر وغيرها، الذي يندرج في إطار الحشد للمشروع القومي العربي الآتي من المشرق. كما أن السينما المصرية حينها بدأت تعرف زخما إنتاجيا وصل في بعض الأحيان إلى أربعين أو خمسين فيلما في السنة. هذا الإنتاج الضخم ما كان له أن يكون ممكنا لولا تمكن السينما المصرية في ذلك الوقت – الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين – من إيجاد أسواق لها في بلدان المغرب العربي، ساعدها على ذلك انتشار الغناء المصري والأفلام الغنائية في كل مكان. صحيح أن عددا كبيرا من الأفلام المغربية والتونسية والجزائرية عُرضت في مهرجانات القاهرة والإسكندرية كما في مهرجانات مشرقية أخرى (دمشق مثلا)، وصحيح أيضا أن الصحافة العربية المشرقية تحدثت وبإسهاب وإعجاب عن بعض أفضل ما ينتج في المغرب العربي من أفلام. غير أن هذا كله لم يوصل تلك الأفلام إلى صالات السينما وإلى الوعي السينمائي العربي العام. هنا يتوجب أن نذكر أن بعض الفضائيات العربية تهتم بين الحين والآخر بعرض أبرز الأفلام المغربية، لكن من دون أن تترك هذه الأفلام أثرا أو تشكل تراكما كما هو الحال في بعض القنوات السينمائية الدولية، التي تعرض بعض الأفلام العربية من باب إبعاد تهمة إقصاء كل ما هو عربي عنها. ولعل صعوبة فهم اللهجات المحلية يشكل عائقا بين المشرق والمغرب، رغم أن فيلما تونسيا كـ”شيشخان” لمحمود بن محمود دُبلج إلى المصرية وفيه جميل راتب و مع هذا لم يلقَ نجاحا أو إقبالا.

تسبب هذا الصدود والتجاهل المشرقي في توجه السينما المغربية نحو آفاق أوربا الرحبة وخاصة السينما الفرنسية، لاسيما بعد زوال فتور العلاقات مع المستعمر وثقافته وبروز أجيال جديدة من السينمائيين المغاربة لا ترى في الفرنسيين إلا روادا في المجال السينمائي وجب الاستفادة منهم، فحدث تعاون وتأثير وتبادل الخبرات، واستثمار أموال فرنسية في الأفلام المغربية فضلا عن وجود العشرات من الممثلين السينمائيين ذوي الأصول المغربية في الحياة السينمائية الفرنسية. فأثَّر هذا التقارب الكبير على الإنتاج السينمائي المغربي الذي يوصف أنه من بقايا الاستعمار الثقافي حيث تفرض اللغة الفرنسية سطوتها على الأفلام والعاملين في الحقل السينمائي، فغالبية السينمائيين المغاربة لا زالوا حبيسي التوجه الفرنسي، إذ تُكتب سيناريوهات بعض الأفلام وحواراتها باللغة الفرنسية، فتجري الترجمة الفورية للحوار إلى الدارجة المغربية أثناء التصوير، لذلك يصعب التواصل بين المخرج المغربي وجمهوره المحلي، بين نخبة سينمائية درست في فرنسا وترى مثالها في الغرب الأوربي وجمهور منساق لما يعرفه و يطمئن إليه.

وهو ما يفسر اغتراب غالبية الإنتاج السينمائي المغربي عن الواقع، والابتذال الذي يطغى عليه، والذي يُسقطه في مشاهد مُخلة بالذوق العام وجرأة مجانية لا تخدم السينما المغربية، بل الهدف منها الإنتاج السريع وضمان الربح المادي لا غير، لذلك تبدو بعض الأفلام كما لو كانت قادمة من الخارج بثقافة أخرى ورؤية غريبة لا تمت بصلة للواقع المغربي، وكان الأوْلى إنتاج كل ما هو محلي، النابع من التربة والأرض المغربية، فالمبدع السينمائي حينما يبتعد عن هموم المتلقي المغربي الذي يستهدفه بإنتاجه، لن يجد أي رَجع أو صدى لعمله. لذلك نلاحظ أن السينمائيين المغاربة بعيدون عن الإنتاجات التي تعكس تاريخ بلدهم وتُبرز أبطاله وتحتفي بملاحمه، بدعوى أن ذلك يتطلب إمكانات مالية وتقنية كبيرة، مُتناسين أن ما ينتجونه من التفاهة على طول عقود من الزمن أهدر ثروة كافية لإنتاج أعمال تاريخية رصينة وليس عملا واحدا فقط. وهكذا أقالوا أنفسهم من تناول هذه الأعمال الجادة، واتجهوا إلى إنتاج أعمال مكرورة وسريعة خصوصا في شهر رمضان، جزء كبير منها كوميدي يتشابه مع الأعوام السالفة، يوصف بالتفاهة وغياب الإبداع، والجري فقط للحصول على الملايين من الدراهم المخصصة لدعمها.

لكن شهر رمضان لهذه السنة حرّك المياه الراكدة، ووضع هذا الإنتاج المحلي موضع المقارنة مع إنتاج عربي مختلف عما يسود التلفزة المغربية. فقد تميز العرض الرمضاني بمسلسل “فتح الأندلس” الذي يعالج فترة هامة من تاريخ المغرب، تحكي قصة القائد طارق بن زياد وفتوحاته في مدن طنجة وسبتة وطليطلة وصولا إلى فتح الأندلس، أخرجه المخرج الكويتي محمد سامي العنزي ويتألف من ثلاثين حلقة، بمشاركة أكثر من مائتين وخمسين ممثلا وممثلة من الدول العربية، قام ببطولته الممثل السوري سهيل جباعي الذي يؤدي دور طارق بن زياد، كما يشارك فيه الممثل المغربي هشام بهلول في دور شداد. للتذكير، فهذا العمل الدرامي ليس الأول عربيا الذي يجسد هذه الفترة من التاريخ المغربي الأندلسي، بل سبقته أعمال أخرى، نذكر منها على سبيل المثال مسلسل “موسى بن نصير” الذي جسد دور البطولة فيه الممثل المصري الراحل عبد الله غيث وقد أنتج سنة 1983 ويحكي نفس القصة تقريبا.

مسلسل “فتح الأندلس” قوبل بالانتقاد لوجود بعض الأخطاء التقنية البسيطة فيه من قبيل ظهور بعض الأدوات التي لا تتناسب مع العصر الذي يمثله، وهي أخطاء تكررت في أكثر من عمل سينمائي دولي كبير، كما وجهت له بعض الاتهامات بكونه حرَّف التاريخ ولم يحترم خصوصية الثقافة المغربية الغنية التي تتميز بالمعطى الأمازيغي، الذي ينحدر منه القائد طارق بن زياد حسب رواية بعض المؤرخين. فإن كان مخرج المسلسل لم يحالفه التوفيق في بعض التفاصيل الفنية أو التدقيقات التاريخية، فإن ذلك لا يبرر هذا الهجوم الكبير عليه، وفي هذا الصدد يقول الناقد السينمائي المغربي مصطفى الطالب:

“الملفت للنظر أن مهاجمة مسلسل “فتح الأندلس” وبالشكل الذي تابعه البعض منا مبالغ فيه، علما أننا لم نرَ مثل هذا الهجوم والانتقادات اتجاه مسلسلات أجنبية قامت بتشويه المسلمين وتاريخهم وقدمت للمشاهد الأجنبي صورة عن المسلم، عربيا كان أو أمازيغيا، أقل ما يقال عنها سيئة، بل قوبلت بالصمت المطبق”.

فمسلسل “فتح الأندلس” إذن يعتبر اجتهادا ومحاولة فنية للتعامل مع محطة من المحطات المشرقة للتاريخ الإسلامي: الأندلس، وهي محطة لا مثيل لها علميا وفكريا وأدبيا واجتماعيا ودينيا (تعايش المسلمين واليهود والنصاري)، بل إن إشعاعها الثقافي والحضاري طال العالم الغربي كله. ورغم الهفوات فقد حاول المخرج أن يبرز الدور الكبير الذي قام به القائد المسلم الأمازيغي الأصل في فتح الأندلس ويبرز تسامحه اتجاه الآخر، كما أن هذا العمل (الذي لا شك يحتاج إلى مزيد من العصارة الفكرية والفنية) لا يخلو من قيمة فنية لا تتجلى طبعا في كل الحلقات ولكن يَلمسها المشاهد بين الفينة والأخرى. (على الأقل استعمال اللغة العربية الفصحى التي لم نعد نراها ولا نسمعها على شاشاتنا الصغيرة وهو ما يرفع من فكر المشاهد ومستواه اللغوي)”. وعلى شاكلة مصطفى الطالب ذهب مجموعة من النقاد والمهتمين بالدراما، الذين أجمعوا على أن فراغ الساحة الفنية المغربية من مثل هذه الإنتاجات وغياب أي إرادة لدى الجهات المسؤولة عن القطاع الفني والثقافي، هو الذي يجب أن يُساءل عن تغييب المعطى التاريخي في الإنتاج الرمضاني، والذي تلقى أعماله إقبالا كبيرا ولنا في الأعمال التاريخية التركية أبرز مثال على ارتفاع عدد المتابعين. هذه الأعمال تُعَمق صلة المتلقي المغربي بذاكرته وتجعله يعتز بقيمه الفكرية والتاريخية والدينية والحضارية، لأن تاريخنا خصب بكل مكوناته وانتصاراته وهزائمه. إنه يوفر مادة فرجوية من الضروري الاقتراب منها وعدم ترك المجال بشكل مطلق لإخواننا المشارقة، الذين يستحوذون على هذا النوع من الإنتاج الدرامي منذ عقود فيقدمون لنا ما يختارونه وفق رؤيتهم، ونحن خائفون مترددون وكأن هناك رغبة خفية لعدم الاقتراب من الدراما التاريخية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى