من تاريخ بادية الشمال: بنو سعيد [4]

بلال الداهية
ولم يدخل السعيديون سبتة فقط، بل كان منهم من دخل الأندلس كإسحاق بن إبراهيم بن يغمور المجابري السعيدي الغماري، ذكر ابن الأبار أنه درس بسبتة ومرسية من بلاد الأندلس وأنه كان معروفا بشدة الحفظ، ثم سكن فاس وسبتة واستقضى بهما، ثم تولى قضاء بلنسية عام 606 هـ. وحينما اندلعت معركة العقاب كان ابن يغمور السعيدي من المشاركين فيها، ثم فقد ولم يعثر له على أثر بعدها.
وفي المقابل كانت قبيلة بني سعيد إحدى أكثر القبائل الجبلية استقبالا للمهاجرين الأندلسيين خاصة بعد سقوط غرناطة، وهذا النص الملحق ب”نبذة العصر” يحدثنا بصريح العبارة عن كون أهل بربرة Barbara وبرجة Berja وبولة Bulia وأندراش Andrax قد خرجوا بعد سقوط غرناطة ونزلوا أولا بين طنجة وتطوان، ثم اختار قسم منهم الرحيل صوب قبيلة بني سعيد فنزلوا بها.
لسنا هنا بصدد إحصاء العائلات الأندلسية في قبيلة بني سعيد لأن هذا العمل شاق جدا ويتطلب جهدا كبيرا، إلا أنه لا بأس من الإشارة إلى بعضها: فمن هذه العائلات بيت “اشقارة” Segarra الذي يرجح أنه من الأندلسيين الأواخر وقد استقر أول من هاجر منهم في تل فوق مدشر “أمسا”، ثم صار موضع سكناه مدشرا يسمى “دار اشقارة”. ومنها عائلة “أوهار” وهي من الأندلسيين الأواخر أيضا، وتسكن مدشر “إوهران”.
وتوجد في بني سعيد أسرة “الأزرق” ولها نظائر في بني زجل وبني حسان، والمتواتر أنها أندلسية. وفي بني سعيد أيضا كان نزول بيت العطارين ب”دار العطار” ومنها انتقلوا إلى تطوان، ومعروف أن بني العطار كانوا من أعيان غرناطة. وإلى الأخيرة أيضا يعود أصل عائلة “الفلون” التي تمتد في جارتهم بني معدان.
ومن الأسر الأندلسية الكبيرة في بني سعيد أسرة “المسوس” في مدشر “إمسوسن” من فرقة “أزرزا”، ومما قيل عن هذه الأسرة أنهم أقارب لآل “الدليرو” التطوانيين، وأن أجداد هذه الأخيرة نزلوا في تطوان مباشرة بينما اختار أقاربهم الذين يحملون لقب “المسوس” النزول في البادية.
وفي قبيلة بني سعيد عائلة تلقب ب”ابن الأحمر” ويعرف المدشر الذي تسكنه ب”إلحمران”. ولا دليل إطلاقا على أية علاقة لهذه الأسرة ببني الأحمر الغرناطيين، وإن كان احتمال كونها أندلسية يبقى قائما. كما يبقى احتمال كون أسر تحمل ألقابا بصيغة “فعلون” قد جاءت من الأندلس، كعائلة “خيشون” في مدشر “أمسا”، وعائلة “عيشون” التي يحمل مدشر صغير اسمها، وعائلة “الدربون” في “الدرابنة”…
ومن الأسر التي يعتقد ابن عزوز حكيم أنها من أصل أندلسي في بني سعيد أسر: الحطاب في “إحطابن”، والرايس في مرسى وادي لو، والركيك في “تمندلاس”، وبوزكري في “افران علي”… ولا دليل على ذلك سوى تشابه ألقابها مع ألقاب أسر توجد في سجلات محاكم التفتيش. كما يعتقد ابن عزوز أيضا أن أسرة “حيون” وهي إحدى أكبر أسر القبيلة تمتد ديارها من مرسى وادي لو إلى قرية “اشروضة”، ثم تجمعين اثنين يعرفان ب”إحيونن الفوقي” و”إحيونن السفلي”، أصلها غرناطي وأنها من مهاجرة 1502. والمعروف أن هذه الأسرة توجد في الكثير من القبائل الجبلية والغمارية، بل توجد أسرة تحمل نفس اللقب في فاس أيضا. ومن المداشر التي يظهر فيها أثر الأندلس مدشر “بني عاصم” وهو اسم أسرة غرناطية نبيهة.
نصادف في أصول سكان بني سعيد ظاهرة فريدة جدا هي ظاهرة الهجرة الفاسية، وإذا كان المهاجرون الفاسيون يوجدون أيضا في مدينة تطوان وفي بعض مناطق الأخماس وغمارة وحتى في الريف، فإن التفسير الذي يقدم لهذه الظاهرة أن ناحية فاس قد عرفت اضطرابا سياسيا كبيرا في مطلع العصر الحديث منذ زوال دولة بني مرين وإلى عهد أحمد المنصور السعدي، ثم تجددت هذه الاضطرابات بعد وفاة هذا الأخير، ففر عنها الكثير من سكانها إلى المناطق الشمالية الأكثر أمانا. ولكن الملاحظ أن الهجرة من فاس نحو بني سعيد، والتي تكمن غرابتها في كونها موجهة من المدينة نحو البادية وهو أمر نادر الحدوث، لم تكن هجرة جماعية، بل إن هؤلاء القادمين من فاس انتقلوا في أزمنة مختلفة.
من الأسر الفاسية الكبيرة التي حلت بأرض بني سعيد أسرة “التواتي” التي يعود أصلها إلى إقليم “توات” في الصحراء، وكانوا في فاس من خدام الزاوية الوزانية. وإلى تافيلالت بتخوم الصحراء، حسب ما يفهم من كلام الكتاني، ينتهي أصل أسرة “دايداي” التي يقال إنها هاجرت من فاس واستقرت في مدشر حمل اسم “إديداين” نسبة إليها.
ومن الأسر الفاسية المهاجرة إلى بني سعيد أسرة “مكوار” التي أسست مدشر “إمكوارن” وهي أسرة تجارية عريقة جدا في فاس. ومنها أيضا أسرة “اليازغي” التي يعود نسبها إلى قبيلة بني يازغة الزناتية في مدشر “وراق”. وهو نفس المدشر الذي توجد فيه أيضا عائلة أخرى قدمت من فاس هي عائلة “الدالي” التي أصلها البعيد من الديار التونسية من طائفة من الجند العثماني يعرفون ب”الدالاتية” ومفردهم “الدالي”…



