ثقافة

إسبانُ طنجة – الحلقة 7

“إسبان طنجة” مقالة للكاتب الإسباني بيرنابي لوبيث غارثيا تتكون من أربعين صفحة، سأنشرها مترجمة للعربية على حلقات. تتحدث عن جذور الوجود الإسباني في طنجة وأهم أسماء العائلات الإسبانية، والأحياء التي استوطنتها، والمهن التي زاولتها والآثار التي تركتها فيها، وعلاقاتها الاجتماعية مع المسلمين واليهود، وكيف كانت طنجة ملجأ للإسبان الفارين من ديكتاتورية بلدهم..

———————————————————-

الكاتب: برنابي لوبيث غارثيا

ترجمة: محمد بوزيدان

ـ الإسبان في طنجة عند ظهور الحماية:

إن خصوصية طنجة ستحدد مصيرها في مطلع القرن العشرين، ويجدر بنا هنا أن نتذكر الوصف الذي قدّمه غابرييل ماورا غاماثو للمدينة في كتابه مسألة المغرب من منظور إسباني حيث قال: “إن طنجة أقل مدن الإمبراطورية تأثرا بالثقافة الموريسكية، كانت وستظل وجهة لهجرتنا، يكثر فيها الإسبان الفقراء الذين ينافسون السكان الأصليين منافسة كبيرة في أداء أكثر المهن تواضعًا. ويطلَق على أحد أحياء المدينة الجميلة اسم حي سان فرانسيسكو الذي يضم المستشفى الرائع الذي يخلد عملنا التمديني الحضاري القديم”. ولكن طنجة، تلك العاهرة، كما يطلق عليها المغاربة حين يرونها مدنّسة من قبل هذا العدد الكبير من المسيحيين، لم تعد مدينة منتِجة، بل مركزا تجاريا.

ـ الطابع الخاص لطنجة:

إن طابعها الفريد من شأنه أن يكون ذريعة “لتدويلها”، وهو ما تم التلميح إليه بالفعل في المعاهدة الفرنسية الإسبانية التي ولدت ميتة عام 1902، وكان المبرر المقدم هو أهمية موقعها فيما يتعلق بحرية المرور في مضيق جبل طارق. تنص المعاهدة الفرنسية الإسبانية المؤرخة في 3 أكتوبر 1904، والتي صيغت وفقًا للمعاهدة الأنجلو فرنسية في العام نفسه، والمعروفة باسم الوفاق الودي، في المادة التاسعة على أن “مدينة طنجة ستحتفظ بالطابع الخاص الممنوح لها من خلال وجود السلك الدبلوماسي ومؤسساتها البلدية والصحية”. وبعد عام واحد نشرت لجنة الأركان العامة للجيش الإسباني خريطة تحدد منطقة المغرب المتفق عليها مع فرنسا لممارسة النفوذ الإسباني، وتحدد أيضًا منطقة طنجة ضمن الأبعاد التي ستكتسبها في عصرها الدولي.

 هذا التقسيم لمناطق النفوذ أثار استياء ألمانيا، التي عبّرت عن ذلك من خلال الزيارة الشهيرة لقيصرها غيّوم الثاني لمدينة طنجة عام 1905 احتجاجًا على خرق وضعية الستاتيكو في المغرب وزعزعة الوضع القائم. وبعد عام واحد، مهّد مؤتمر الجزيرة الخضراء الطريق لإرساء الحماية الفرنسية على المغرب، والذي يذكر في مادته الأولى “مدينة طنجة ستحتفظ بالطابع الخاص الذي تمّ الاعتراف به لها، والذي ستحدده لاحقًا منظمة بلدية”.
وسيكون الاتفاق الإسباني-الفرنسي المؤرخ في 27 نوفمبر 1912 أكثر وضوحًا، إذ تنص مادته السابعة على أن «مدينة طنجة وضواحيها ستُمنح نظامًا خاصًا سيُحدَّد لاحقًا، وستُشكّل منطقة ضمن الحدود المبيّنة أدناه». وهي منطقة كانت، كما رأينا، محددة بالفعل في خريطة سنة 1905.

عشية فرض نظام الحماية، كان عدد السكان الأوروبيين في طنجة يقارب 10,000 شخصا، وقد نشر المندوب الفرنسي في طنجة رينيه لوكلير مقالا في جريدة لا دپيش ماروكان في مايو 1909 قدم فيه معطيات تقديرية حول سكان المدينة، وهي معطيات مهمة لأنها تُعرض مُفصلة حسب الجنسيات والجماعات. يُظهر المقال تنوعًا سكانيًا كبيرًا يجمع الأوروبيين واليهود المغاربة والمسلمين المغاربة داخل مدينة واحدة ذات طابع دولي مبكر، حيث يشكل الإسبان الأغلبية الساحقة من الأجانب الأوروبيين بنسبة تقارب 78% من مجموع الأوروبيين.
وهذا يعكس تقليدًا قديمًا للهجرة الإسبانية إلى طنجة بسبب القرب الجغرافي والروابط التاريخية، أما الفرنسيون فيحتلون المرتبة الثانية بنسبة 11% رغم الدور السياسي المتزايد لفرنسا حينها، كما أن الوجود البريطاني كان مهمًا أيضًا (700 شخص) مرتبط بالمصالح التجارية والبحرية في المضيق، بالنسبة للألمان  فقد كانوا أقلية صغيرة شأنهم شأن بقية الجنسيات الأوروبية الأخرى.

يُقدّر عدد اليهود المغاربة في طنجة سنة 1909 بحوالي 10,000 يهودي، وهو رقم مهم يدل على أن طنجة كانت واحدة من أبرز المراكز اليهودية في المغرب وأن اليهود شكّلوا مجتمعًا حضريًا مؤثرًا في التجارة والوساطة الاقتصادية والعلاقات مع الأوروبي، أما السكان المسلمون فقد بلغ عددهم حوالي 26,000 مسلما.

تعكس هذه الأرقام لحظة محورية تُظهِر كيف أن مزيج ديموغرافي غير متوازن (أقلية أوروبيّة + يهودية قوية مقابل أغلبية مسلمة) أرسى شروطًا سياسية واقتصادية أدت مباشرة إلى تدويل طنجة وتقاسم النفوذ فيها. هذه التركيبة السكانية مكّنت الدول الأوروبية من إقامة مؤسسات تشريعية، صحية، واجتماعية، وتربوية، وقضائية بديلة للسلطة المحلية، يعني تطبيق قواعد قانونية وصحية وإدارية منفصلة/مزدوجة: أنظمة قضائية قنصلية، امتيازات جمركية، قواعد صحية لإدارة الميناء، إلخ — كل ذلك يقلّص من سلطة الدولة المغربية على المدينة، بينما تُرك للمجتمع المحلي (المسلم والمغربي) دور كبير بين الأهالي لكنه شكلي دون سلطة حقيقية.

هذا التركيب السكاني صار ذريعة لتدخل القوى الكبرى: وجود جاليات أوروبية وكثافة دبلوماسية يسهّلان المطالبة بوضعية خاصة للمدينة لحفظ حرية السفر والتنقل، وحماية مصالح الأجانب، مما أدّى إلى سلسلة من الاتفاقيات (1904-1906-1912) ثم إلى إنشاء نظام دولي لطنجة، فالتوازن بين الفرنسيين والإسبان والبريطانيين (ومحاولة ألمانيا للاعتراض كما في زيارة القيصر 1905) يعكس أن طنجة لم تكن مجرد مدينة محلية بل ساحة تنافس إمبراطوري فالنفوذ الفعلي لا يقتصر على عدد السكان بل على السلطة السياسية والاقتصادية المتراكمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى