تاريخ وجغرافياثقافة

من تاريخ بادية الشمال: بنو يدر [1]

بلال الداهية

لا تقدر أحجام القبائل عادة بمساحتها فقط، بل بعدد مداشرها أيضا، وقبيلة بني يدر هي إحدى أكبر قبائل جبالة كلهم، وقد تبدو في الخريطة دون مساحة الكثير من القبائل، ولكن حقيقتها أكبر مما يقتصر عليه بصر الناظر في الخرائط، فإن أولها مدشر “منكال” على مرمى الحجر من تطوان تظهر منه بيضاء ناصعة، وآخرها في وادي الخروب يطل من بعيد على مدينة العرائش، هذا دون أن نذكر جزءا آخر منها تبدو منه طنجة في اليوم الصافي الخالي من كدر الضباب. ولك بعد هذا أن تتخيل حجم هذه القبيلة وترامي مداشرها: تلك هي قبيلة بني يدر التي ضرب بها المثل في تباعد الأطراف حتى قيل على سبيل التندر: “الله يتلفك كيما تلف السعاي ف بني يدر”، وفي هذا كناية عن كون المتسول يتيه في هذه القبيلة لكبرها وكثرة مداشرها.

اسم “يدر” بربري يفيد الحياة أو العيش. وكان اسما لبعض أمراء صنهاجة من بني زيري الغرناطيين، ولبعض أمراء سوس الذين ذكر ابن خلدون أحوالهم، ولا زال إلى الآن علما على قبيلة جزائرية من ناحية جيجل… ولكن الغريب في بني يدر أن قبيلتهم رغم كبر حجمها وشهرتها، فإن مصادر العصر الوسيط خالية من اسمها تماما. بل إن ليون الإفريقي حينما عدد قبائل الشمال ذكر بني يدر في بلاد ورغة بين جبل آيشتوم وجبل لوكاي، أي بين قبيلتي متيوة الورغية – وليس متيوة البحرية – وصنهاجة مصباح، وهذه القبائل الآن من توابع إقليم تاونات تحد شمالا ببلاد كتامة.

ومن جملة ما ذكره الوزان أن أهل بني يدر هذه كانوا فقراء جدا مما اضطرهم إلى امتهان قطع الطريق وسلب المسافرين، فجهز حاكم بادس وسلطان فاس الوطاسي حملة تأديبية قوية ضدهم انتهت بإخضاعهم.

ولعل بني يدر هؤلاء هم الذين ينسب إليهم بعض أعلام فاس ومنهم يعقوب بن يحيى اليدري الذي يوصف بأنه ولد في قبيلة بني يدر عام 908 هـ/ 1502م.

إن أول ظهور لاسم بني يدر في موضعها الحالي – على ما يبدو – يتلو الغزو البرتغالي للناحية الشمالية بسنوات، حيث نلحظ هذا الاسم ضمن القبائل التي شاركت في قتال البرتغاليين في قلعة الخروب بجبل حبيب، وضمن القبائل المشاركة في رباط “تازروت” ببني عروس الذي أسسته أسرة بني ريسون بغرض قتال البرتغاليين، وشارك بنو يدر في ظل هذا الرباط في وقعة وادي المخازن عام 986 هـ/ 1578م.

يقسم بنو يدر إلى أربع فرق: السحتريين، العنصر، سيلولة وبني حمايد. وباستثناء هذه الأخيرة فإن الفرق الثلاثة الأولى تحمل أسماء ذات دلالة طبيعية: ففرقة السحتريين أقرب هذه الفرق إلى تطوان سميت نسبة إلى “مجاز السحتر” وهي مخاضة كان عليها مجاز لعبور وادي المحجرات الفاصل بين بني يدر غربا وبني حزمار شرقا، و”السحتر” نبات معروف. أما فرقتا العنصر وسيلولة فاسمهما مرتبط بالماء وذلك لكثرة العيون بهما خاصة بفرقة “سيلولة” التي يضرب بماء عنصر مدشر “البغاغزة” منها المثل.

يرجح أن بني حمايد هم فرع من بني حميد الغماريين الذين ذكروا في العصر الوسيط ناحية تكساس (السطيحات) والذين كانوا مشهورين بتربية نوع خاص من الخيول عرف ب”الخيل الحميدي”.

إن جوار هذه القبيلة لضريح عبد السلام بن مشيش وقبيلة بني عروس جعلها مأوى للكثير من الأشراف والأولياء وجعل جزءا منها قديما يدخل فيما يسمى ب”الحرم العلمي”، وممن عرفت به القبيلة الولي أبو الحسن علي بن محمد الملقب ب”أبي خبزة” وهو جد أولاد “بوخبزة” في تطوان وأقاربهم الذين يحملون لقب “أغبالو” في بني يدر وبني مصور، والجميع منتسبون إلى الشرف العمراني لا العلمي كما هو شائع. وعلي الملقب بأبي خبزة كان من أهل القرن التاسع للهجرة/ الخامس عشر للميلاد.

وفي قرية “اعبودش” استوطنت أسرة “ابن عبود” المنتسبة إلى الشرف اليملحي قادمة من قبيلة بني ليث، ولا زال إلى الآن بها ضريح الجد الأعلى للأسرة المعروف ب”سيدي عمر ابن عبود”. واستوطنت بهذه القبيلة كذلك فروع عديدة من البقاليين اشتهروا بثلاث زوايا: تعرف إحدها ب”الزاوية الفوقية” ونسبتها إلى محمد البقالي الكبير، و”الزاوية السفلية” ونسبتها إلى أحمد بن عمر البقالي، ثم “زاوية الهساكرة” ونسبتها إلى محمد البقالي الصغير المعروف ب”سيدي محمد د الحضرة”. وكل هذه الزاويا بفرقة “سيلولة”.

ونزل بهذه القبيلة في فترة من حياته الولي الصالح عبد الله بن عجال الغزواني الشاوي، والنسبة إلى غزوان من أعراب الشاوية، المزداد بالقصر الكبير والمتوفى بمراكش عام 935 هـ/ 1529م، فأس بها الزاوية المعروفة باسمه في فرقة “بني حمايد”.

ومن مدشر “انقاقسة” اليدري بفرقة “العنصر” ظهر أولاد النقسيس الذين حكموا مدينة تطوان، وإن وجد في بعض المصادر أنهم من بني حزمار، فالأصح أنهم يدريون من هذا المدشر وإن جاؤوا إلى تطوان من بني حزمار فالأرجح أنهم طارئون على بني حزمار أيضا وأن أصلهم من بني يدر، وهم الأسرة التي كان ابن عزوز حكيم قد أصر على أنها أندلسية الأصل وجادل في ذلك طويلا، بينما أشار البعض إلى أن أصلها الحقيقي من سبتة.

وعلى ذكر ثغر سبتة، فإن سكان بني يدر كانوا مشهورين قديما بمشاركتهم في حملات تحرير الثغور خاصة حملة تحرير طنجة عام 1684م. والكثير من الحملات التي تضمنها حصار سبتة الذي دام ثلاثين عاما من الفترة الإسماعيلية، وقلما تخلو عائلة من عائلات الأعيان في بني يدر من أجداد استشهد بعضهم على أسوار سبتة، ويتواتر هذا على الخصوص عند عائلة بوخبزة السابقة الذكر، وعند بيت “السرحاني” بمدشر “العنصر”. وكلتاهما أصبحتا لاحقا أسرتين نابغتين في ميدان العلوم الشرعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى