من تاريخ بادية الشمال: بنو مصور [3]

بلال الداهية
إن أهم معلمتين تتوفر عليهما قبيلة بني مصور هما قلعة ومنزل القائد العياشي الزلال: القلعة في “دار الشاوي” والمنزل في مدشره الأصلي المدعو “بوغابش” حيث استقرت عائلته بعد قدومها من قبيلة بني زروال في آخر القرن التاسع عشر.
فوق تل صغير بجوار ملتقى الطريق الرابطة بين “الكروشي بلانكو” والعرائش، والطريق الفرعية التي تقود إلى سوق “أحد البغاغزة” تقع خرائب بناية عسكرية تسميها العامة “القصبة”. بناها الإسبان أثناء فترة الحماية لأغراض عسكرية، ويبدو أنها تعود إلى فترة الثلاثينيات، إذ لا تذكر ولا يشار إليها إطلاقا في الخرائط العسكرية التي تعود إلى عام 1930.
وكانت هذه القلعة محلا لإقامة المحلة الخليفية التابعة للإدارة المخزنية التي كانت توازي سلطة الحماية في منطقة الشمال، وأقام بها قائد قبيلة بني مصور العياشي الزلال، ولهذا فإنها لا زالت تعرف ب”قصبة الزلال”. ولم يبق منها الآن إلا بعض الأسوار، وقوس الباب الرئيسي، أما الأبواب الأخرى فقد بادت تماما، وكذلك السقف الذي اختفى نهائيا، وتجد في الأسوار نوافذ صغيرة جدا لإدخال النور من جهة، ولأغراض دفاعية من جهة أخرى.
ويعتبر الإسبان المسؤولين المباشرين عن نمو قرية “دار الشاوي” واتساعها لتصبح مركزا قرويا كبيرا، وكان هدف الإسبان استغلال الأراضي الزراعية الخصبة المحيطة به، فأنشؤوا به مستوصفا بيطريا لا زالت بنايته قائمة، ومدرسة بنايتها الآن مهجورة.
من جهة أخرى بنى القائد العياشي الزلال دارا عظيمة لا زالت قائمة وعامرة بمدشر “بوغابش”، وأقام نحوها طريقا جميلا مبنيا بالحجارة على هيئة الطرق الرومانية القديمة، مع قنوات لتصريف المياه بحيث لا يؤثر عليه مطر ولا ريح. وكانت الدار المذكورة قد خربت من قبل المجاهدين الريفيين عام 1923 إذ كان القائد الزلال من أنصار الإسبان، وحينما وصلت قوات الأمير ابن عبد الكريم الخطابي إلى بني مصور فر الزلال لاجئا عند الإسبان، وقامت هذه القوات بتدمير منزله، وما كان قد بقي منه هدمته قبيلة بني يدر في هجوم على “بوغابش” و”دار الشاوي” عام 1926، إذ كانت قبيلة بني يدر من أنصار الثورة الريفية.
وحينما وضعت الحرب أوزارها في نفس السنة منح الإسبان مبلغا يقرب من سبعين ألف بسيطة للزلال لتجديد بناء داره، فتم ذلك على الأرجح عام 1928. وإذ بالدار الجديدة تصبح آية في الجمال، بحجم قل مثيله في البوادي، ونافورة عظيمة في فناء الدار وجدران مزينة بالزليج التقليدي. وتحيط بالمنزل مجموعة من الديار الجبلية التي كانت مخصصة لإيواء الضيوف والسياسيين المستجيرين به.
لقد كان القائد الزلال شخصية فريدة، لا نملك تاريخا دقيقا لميلاده، غير أنه على الأرجح قريب من عام 1870، وقد أصبح في شبابه من أتباع القائد أحمد الريسوني، وامتهن معه قطع الطريق، فحصل منه ومن امتلاك الأراضي أموالا طائلة، وبسبب الثراء الذي تمتع به استطاع الوصول إلى منصب قائد على قبيلة بني مصور، ثم بعد ذلك ضمت إلى نفوذه قبيلتا وادي راس والفحص، وأخيرا ضمت إلى مجال نفوذه بعد حرب الريف قبيلة بني يدر. واستمر قائدا إلى عام 1369 هـ/ 1950م، وكانت وفاته بعد ذلك بمدة قصيرة في عام 1375 هـ/ 1956م، وكان ولده الحاج محمد بن العياشي الزلال أيضا قائدا على بني مصور من بعده، ثم انتقل للسكنى في تطوان.
إن أبرز صفة عرف بها القائد الزلال هي الكرم حيث صار مضربا للمثل فيه، وكان منزله مفتوحا دائما لإيواء الضيف، ومقصدا للسياسيين والصحفيين الراغبين في لقاء الريسوني. وكان مثالا للوفاء بالعهد والأمانة، حتى قيل إنه اجتمع لديه في أكثر من مرة مبعوث من الإسبان وآخر من ابن عبد الكريم الخطابي فلا أنزل أحدا منزلا أفضل من الآخر ولا أخل بأدب الضيافة مع أحد منهما، وكان كلما جاءه صحفي أجنبي من طنجة للاطلاع عن قرب على أخبار الريسوني أو أخبار الريف أرسله مخفورا ببعض أتباعه حتى يبلغ مقصده، فلا يقدر أحد على التعرض له بأذى.
من أشهر أخبار أمانته أن الريسوني كان فارا في بعض المرات فنزل عنده وأوده مبلغا هائلا من المال، وغاب مدة ثم أرسل يطلب المبلغ من الزلال فأرسله له محمولا على البغال كاملا لم ينقص منه درهم واحد مع أن المبلغ كان من الضخامة بحيث يغري من تتحرك في نفسه الاطماع، ويفعل المال بنفسه الأفاعيل.
ومن جملة أخباره أيضا أن الأمير عبد الملك بن الأمير عبد القادر بن محيي الدين الجزائري كان قد حل بالمغرب أيام الحرب الأولى العظمى ونزل طنجة وبدأ منها الدعاية لصالح الدولة العثمانية والألمان ضد الفرنسيين، ثم خرج من طنجة يقصد القبائل الجبلية لتحريضها ضد الفرنسيين، وكان السلاح يصل إليه وإلى أتباعه من ألمانيا والدولة العثمانية عن طريق الريف، وكان الإسبان يتساهلون في ذلك غاية التساهل، فلما خرج من طنجة ألقى بعض رجال وادي راس القبض عليه وعلى رأسهم المدعو المفضل الزكري، فوجدوه متنكرا في زي الأشراف الوزانيين ومعه مبلغ من العملة الأجنبية، فأخذوها منه وتقاسموها، فأمر الزلال في الحال بإطلاقه واستضافه في منزله وأكرمه غاية الكرم، ورغم أن الفرنسيين عرضوا عليه الأموال الطائلة مقابل رأس الأمير الجزائري الدمشقي المولد فإنه أبى تسليمه ولو كان في ذلك حتفه، ثم أرسل الأمير عبد الملك مرفوقا بحراسة مشددة لحمايته إلى أقاربه من أولاد الزلال في مدشر “القلايع” بقبيلة بني زروال حيث استقر عبد الملك لمدة يحرض الناس ضد الفرنسيين ويدعو إلى الانضمام تجت لواء السلطان العثماني محمد رشاد وأصدقائه الألمان.
ومثل هذه الحكايات عن القائد الزلال مشهورة وكثيرة.



