ثقافةشؤون دينية

نتغير لنغير [3] .. ﴿رَبِّ إِنِّی ظَلَمتُ نَفسِی﴾

فاطمة الزهراء دوقية

تناولنا في المقالين السابقين تلك المقدمات الأساس لتغيير ما بأنفسنا ليغير الله ما بنا كما وعد سبحانه وتعالى، حيث تقرر نظريا أن العيب فينا والمشكل من أنفسنا، وتعرفنا ثانياً على شرط الانطلاق، ثم تنبهنا إلى معيق البدء والإنجاز .. 

في هذا المقال نتناول خطوة هامة يبدأ بها الفرد عمليا رحلته إلى تغيير ما بنفسه.. بل ينبغي ألا تخلو منها. خطوات مسيرته في الحياة كلها، وعلى طول الخط.. ونستطيع أن نزعم أنه إن ينطلق منها، ويطبقها باستمرار، سيشعر أنه يحصل تغيير ما في نفسه كبير وعميق وواسع، وكأن بناءً يتهدم لبنة لبنة، وحجراً حجراً.. هذه الخطوة هي الثاوية في قوله تعالى:﴿رَبِّ إِنِّی ظَلَمتُ نَفسِي فَاٱغفِرلِی﴾ القصص:١٦.. إنها توجيه النقد إلى الذات، ولوم النفس والاعتراف بالخطإ والشعور بالمسؤولية ..

والحديث هنا عن النقد البناء للذات .. وليس جلدَ الذات .. ولا تعذيبَ النفس ولا قهرها .. ولا الدخولَ في دوامات اليأس والاكتئاب .. إنه ذلك النقد المعتدل الوسط الذي يتسم بالتوازن بين الرجاء والخوف.. ولعله يتولد حين يستحضر الفرد كميزان للتفكير طبيعته التي جبله الله سبحانه عليها؛ وهي أنه مخلوق خطاء ضعيف فقير إلى ربه الذي يقول:﴿یَـٰأَیُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱالفُقَرَاءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلغَنِیُّ ٱلحَمِیدُ﴾ فاطر: ١٥.. قد جعله كذلك ليكون تواباً أواباً مغيِّراً على الدوام لما بنفسه إلى الأحسن والأفضل حتى يأتيه اليقين، وقد ورد عن رسول الله ﷺ قوله:{والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم}[1]..

وإن من أعظم الأخطاء التي يقع فيها الإنسان توجيه الاتهام والنقد إلى الآخر، وتزكية نفسه، واستبعاد إمكان الوقوع في الخطأ من ذاته.. ولا يخفى أن هذا الاستبعاد هو في حقيقته استبعاد عن طريق التوبة، يبعده عن كشف الخطإ والخلل، وعن تصحيح الزلل .. ومن ثم يبعده عن تغيير ما بنفسه والارتقاء بها .. وفي الأخير يبتعد أكثر وأكثر عن تغيير واقعه كما يتمنى..

وعليه، فإن المنطلق العملي الصحيح الذي يرشد إليه المنهج الرباني في تغيير ما بالنفس، توجيه النقد للذات ولومها، وإدانة التفكير التبريري؛”ونعني بالنقد الذاتي ذلك الأسلوب من التفكير الذي يحمل صاحبه المسؤولية في جميع ما يصيبه من مشكلات ونوازل، أو ما ينتهي إليه من فشل. ونعني بالتفكير التبريري: ذلك التفكيرَ الذي يفترض الكمال بصاحبه، وإذا أخطأ برأه من المسؤولية، وراح يبحث عن مبررات خارجية، وينسب أسباب الأخطاء أو القصور والفشل إلى الآخرين”[2].

إن النقد الذاتي هو الخطوة الأولى في تصحيح جميع الأخطاء الفردية أو الاجتماعية، وهذا المعنى يتقاطع مع محور مقالنا الأول الموسوم بـ”العيب فينا والمشكل من أنفسنا” .. تؤكده آيات قرآنية كثيرة؛ كقوله تعالى:﴿قُل هُوَ مِن عِندِ أَنفُسِكُم﴾ آل عمران:١٦٥، وقوله:﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِن أَنفُسَهُم یَظلِمُونَ﴾ آل عمران:١١٧، وقوله:﴿وَمَا أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِیبَة فَبِمَا كَسَبَت أَیدِیكُم﴾ الشورى:٣٠.. بل إن القرآن يقدم لنا التطبيق العملي لهذا المبدإ وأبلغ تمثيل له، يعلمنا من خلاله ممارسة النقد الذاتي وإدانة التفكير التبريري .. وذلك من خلال قصة آدم وزوجه مع إبليس؛ إذ يقول تعالى: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ  فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ  وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ الأعراف:١٩-٢1.

نلاحظ في هذا المقطع الإشارة الصريحة إلى دور الشيطان فيما وقع فيه آدم وزوجه من إغواء، كأنه هو المسؤول الأول والأخير .. لكن .. كيف كان موقف آدم وزوجه؟؟ هل لاما إبليس ووسوسته؟؟ أما ماذا كان موقفهما؟؟

يحكي الله تعالى بعد:﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمنَا  أَنفُسَنَا وَإِن لَّم تَغفِر لَنَا وَتَرحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱالخَـٰسِرِینَ﴾ الأعراف:٢٣.. إنهما يحملان نفسيهما مسؤولية الخطإ والمعصية.. ولم ينسبا ذلك مطلقا إلى إبليس..

ولا يخفى أن القرآن يسجل هذا الموقف من لوم النفس، والاعتراف بالخطإ قاصدا توجيهنا لاتخاذ “النقد الذاتي منهجا في تقويم الآثار السلبية التي تنتج عن الممارسات الخاطئة”[3]..

أما التبرير وتبرئة الذات وتزكية النفس، إنما هو منهج الشيطان وديدنه، إذ ينطلق من اتهام الآخر، والهروب من تحمل مسؤولية فعله؛ فها هو ينسب الإغواء -بكل غرور- إلى الله تعالى؛ حيث قال:﴿فَبِمَا  أَغوَتَنِی لَأَقعُدَنَّ لَهُم صِرَ ٰ⁠طَكَ ٱلمُستَقِیمَ﴾ الأعراف:١٦، وفِي مواضع أخرى نراه يتبرأ مما يفعله من الإضلال للناس؛ إذ يقول تعالى:﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ الحشر:١٦، ويقول:﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم وقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكم فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ الأنفال:٤٨.

بل الطريف أن نجده ينطق حقا، ويلقن درساً؛ حين قال:﴿وَقَالَ ٱالشَّیطَـٰنُ لَمَّا قُضِیَ ٱلأَمرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُم وَعدَ ٱلحَقِّ وَوَعَدتُّكُم فَأَخلَفتُكُم وَمَا كَانَ لِیَ عَلَیكُم مِّن سُلطَـٰنٍ إِلَّا  أَن دَعَوتُكُم فَاستَجَبتُم لِی فَلَا تَلُومُونِی وَلُومُوا  أَنفُسَكُم﴾ إبراهيم:٢٢.. أي أنتم السبب وعليكم المدار فيما أنتم فيه، فلا تلوموا إلا أنفسكم، مع العلم أنه هو السبب فيما وقع ويقع في العالم من شرور ومفاسد[4] .. لكن الحقيقة ألا سلطان له على الناس إلا سلطان الإغواء لفعل ما يمليه مما لا تحمد عقباه، لأن:﴿كَیدَ ٱلشَّیطَـٰنِ كَانَ ضَعِیفًا﴾ النساء:٧٦.. لتبقى الحقيقة التي عليهم الاعتراف بها أنهم هم الذين يسلطوه على أنفسهم باتباعه ..

ولا يخفى هنا كذلك أن العرض القرآني لهذا الدرس الشيطاني، ذو دلالة تنبيهية تذكيرية بوجوب المخالفة وعدم التقليد للنهج التبريري الشيطاني في مواجهة المشكلات .. والله تعالى يأمر:﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَ ٰ⁠تِ ٱلشَّیطَـٰنِ إِنَّهُۥ لَكُم عَدُوّا مُّبِینٌ﴾ البقرة:١٦٨.. والعاقبة تكون وخيمة .. والحق ألن يلوم الإنسان إلا نفسه..

وهكذا، يكون الانطلاق من اتهام الذات دوماً هو الانطلاق الصحيح والطريق المأمون لتغيير ما بالأنفس، وإن كان صعبا وشاقا .. لكنه ضروري كنهج في الحياة دائم .. وخلق نبيل حاكم .. ينبغي أن يتحلى الإنسان به فرداً وجماعةً، وفي كل المواقف..

وهو ما سيجعله يوجه دائما نظره نحو ذاته كلما همَّ بأن يشير بأصبع الاتهام نحو الآخر عند حدوث أي مشكل .. وسيتولد عن ذلك الثقة بها وبإمكانها وقدراتها لإنجاز أي تقدم في الحياة ..

إنه النهج الصحيح في الحياة، والخطوة السليمة الأولى الضرورية التي لا بد منها.. على صعوبتها وثقلها على النفس ..

                   فمنذ متى كانت المعالي سهلة المنال ؟!!!

يتبع


[1]– أخرجه مسلم، برقم (٢٧٤٩).

[2]-ماجد عرسان الكيلاني، مقومات الشخصية المسلمة أو الإنسان الصالح، كتاب الأمة العدد (٢٩)، قطر، ص ٥٧.

[3]– نفسه، ص ٥٧.

[4]– انظر تفسير السعدي..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى