قراءة في كتاب سلسلة تراث غمارةالجزء1- من أعلام قبيلة بني زجل

عبد الرحيم الوهابي
تفضل الأخ والصديق ذ.محمد آثار بإهدائي نسخة من كتابه الجديد سلسلة تراث بلاد غمارة. وقد آثر المؤلف أن يخص الجزء الأول من هذه السلسلة بأعلام قبيلة بني زجل(1) مسقط رأسه ومرتع صباه، وهذا أمر لا يلام عليه فارتباط المرء بموطنه غريزة إنسانية جبل عليها الأنام ولم يرفضها شرع ولم ينقضها عرف.
كتاب أخذ من حياة صاحبه سنين عديدة، كابد خلالها جهدا مضنيا ومصاعب جمة في البحث والتقصي والتنقيب في بطون الكتب متنقلا ميدانيا بين القبائل والمداشر، وهو أمر يحسب له ويشكر عليه. فلقد أحيا مواتا اندرست آثارهم وطويت أسماؤهم. وهذا ليس بغريب عن المؤلف فهو منذ أن عرفته – ما ينيف عن ربع قرن- لا زال كعهدي به ولوعا بتاريخ المغرب شغوفا برجالاته. وجاء هذا الكتاب رفعا للملام ودحضا لوسم المغاربة بإهمال الأعلام.
ميزة هذا الكتاب أنه يتحدث عن أحد المراكز العلمية في بادية الشمال، ويبرز قيمته ودوره في نشر العلم وتلقينه، فيعرفنا المؤلف بمجموعة من أعلام جبال غمارة، ويطوف بقبائلها، فيتحدث عن حياة شيوخها في البادية واهتماماتهم العلمية والتأليفية، فيميط اللثام بذلك عن جزء مجهول من الحركة العلمية ببادية الشمال مقتفيا أثر وسالكا مسلك ابن عسكر في الدوحة، وأبي حامد الفاسي في المرآة، وأبي الربيع سليمان الحوات في ثمرة أنسي، ومن المتأخرين العلامة سعيد أعراب، و د.عمر الجيدي، والعلامة أ.د.عبد الله المرابط الترغي رحمهم الله جميعا.
وإذا لم يكن ذ.آثار أول من صنّف في تراجم الغماريين وحاز قصب السبق غيره، فهذا لا يغمضه حقه ولا يبخسه قدره. أما إن شاب الكتاب قصور(2) فهذا لا ينتقص من قيمة المرقون ولا يقدح في المضمون.
ولم يحجر المؤلف في شرطه للترجمة ولم يضيق واسعا، إذ أدخل في شرطه كل من ولد في قبيلته، أو وفد إليها وأقام بها، أو كان نسبه إليها وإن ولد وتوفي خارج حدودها.
أفرد المؤلف كتابه لست وثلاثين ترجمة منها المقتضبة (سطرين) ومنها ما امتدت على 51 صفحة، فطول التراجم وقصرها راجع لشح أو توفر المصادر والمادة الترجمية. فيهم المتصوفة والزهاد والصلحاء والفقهاء والعلماء والقضاة والمصلحون والمدرسون، وكان حظ النساء منها ترجمتان لسيدتين كانتا كلتاهما زوجة للعلامة أبي محمد عبد الله الهبطي، وإحداهما أخت للعلامة أبي القاسم ابن خجو أحد الذين أخذوا على عاتقهم مهمة الإصلاح الاجتماعي. غير أن أول ترجمة كانت للولي الصالح جد القبيلة ومؤسسها سيدي محمد زجل القرشي النسب. ووقع خلاف ثبوت نسبه إلى الدوحة الشريفة، وابن عرضون الكبير – وهو أحد حفدته- كان ممن قال بعدم الثبوت.
غير أن أغلب الأعلام الواردة في المتن هي لأهل القرن العاشر الهجري، وهذا يدل على أن ذروة العطاء العلمي بمركز تلنبوط وكل ربوع قبيلة بني زجل يدخل في إطار النهضة العلمية والتأليفية خلال الفترة الذهبية التي عاشتها شفشاون تحت حكم الرواشد.
ورغم أن غمارة محصورة بين جبال شاهقة وتضاريس صعبة ومسالك وعرة وعيشها شظف وأرضها شحيحة إلا أن ذلك لم يمنعها من أن تحتضن مراكز علمية كثيرة مما أجج التنافس العلمي بين القبائل حتى صار لكل قبيلة أسرة أو أسر علمية تفتخر بها. ولم تكن بضاعتهم مزجاة أو تحصيلهم أدنى من أقرانهم ، نبغوا في مختلف العلوم الشرعية ، ومنهم من كان نوازليا وكتب مثل المعيار ونوازل الرزيني والعلمي وغيرها بما فيها من فتاوى ونقول وملاءمتها للعصر، بزوا بها أقرانهم وتشهد على مبلغ علمهم وتمرسهم. ولم يقتصر تفننهم في العلوم الشرعية فقط بل في علوم اللغة والأدب والتوقيت والفلك والتاريخ والأنساب وعلم الرجال، وبلغ الفقيه محمد الصغير بن أحمد الزجلي- الذي أصبح شيخ الجماعة بحاضرة فاس- في العلوم العقلية مبلغا جعل العلامة أحمد المنجور الفاسي يحلّيه في فهرسته بلقب (الفيلسوف).
وانطلق كثير من طلبة بني زجل إلى ارتياد الآفاق لملء الوطاب والكرع من الحياض ونهل العلوم من معينها. فكثير منهم حل بجامع القرويين ودرسوا على جهابذة علمائه وفطاحلة أدبائه، واقتعدوا بدورهم كراسي التدريس واعتلوا منبر الخطابة به. ورحل العلامة محمد بن إبراهم بن غصن الأنصاري إلى المشرق وجاور وأقرأ بالحرمين، انتصب للتدريس بالقدس الشريف وبها أقبر.
لا تخفى أهمية هذا النوع من التصنيف، فهو يمدنا بصورة واضحة عن الحركة العلمية والحياة الثقافية في شمال المغرب، ويرسم لنا ملامح عن نشاط الطلبة وطرق تلقيهم العلم، ويساعدنا على معرفة الكتب المتداولة وإحصائها في مختلف الفنون، ويرينا مكانة أهل العلم في مجتمعاتهم والوظائف التي تولوها، والصفات التي كان يتحلى بها كل منهم، والرحلات التي كانوا يقومون بها، ويوضح لنا العلاقات التي كانت قائمة بين الطلبة وشيوخهم. وهو أيضا دعوة صريحة للاهتمام بتراث علماء البادية المغربية، وهو نوع من رد الاعتبار ورفع الضيم عن رافد أساسي من روافد التراث اللامادي لهذا البلد.
[1] – الكتاب من القطع المتوسط، ينتظم في مائة وتسعين صفحة، طبع بتطوان. قدم له الصديق د. عبد الله عبد المومن الذي كانت لي معه رفقة إلى الديار المقدسة سنة 2013 اكتشفت خلالها جوانب أخرى من شخصية هذا الأستاذ الفاضل، وكان ضمن الرفقة أيضا الفقيه العياشي أفيلال الذي غادرنا مؤخرا رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح الجنان. أتمنى أن يتأتى الوقت وأن يطاوعني القلم في تدوين تلك الرحلة.
2 – مثلا: إدراج التراجم دون ترتيب زمني أو ألفبائي. الإطالة في ترجمة أعلام شهيرة مصادرها متعددة ومتداولة. عدم إفراد فصل خاص للتعريف بغمارة كونها مجالا جغرافيا عاما ومن تم التعريف ببني زجل كمجال خاص وعدم الاكتفاء بإيراد معلومات عن هذه القبيلة في متن بعض الترجمات والهوامش.



