
عبد الحميد الرحا
كل من يرفع علم فل>سطين فيه يصبح مشبوها وكل من يهتف ضد عدوان إسرائيلـي يتحول في لحظة إلى تابع لطهران من الذي يختزل مدينة بتاريخ طنجة العريق في شعار أو مظاهرة أو صورة عابرة أليس هذا هو الكسل الفكري بعينه أم هو تمهيد متعمد لشيطنة كل صوت يرفض التطبيع .
من قال أن التضامن مع فل<سطين يعني الولاء لإيران ومن أقنع الناس أن الخيارات في هذه المنطقة لا ثالث لها إما أن تكون مع إيران أو مع إسرائيل أين ذهبت فكرة الاستقلال السياسي وأين اختفى العقل النقدي الذي يميز بين موقف إنساني ضد حرب ومشروع جيوسياسي له حساباته الخاصة أم أن المطلوب اليوم هو مصادرة هذا العقل حتى تمر صفقات كبرى في الظلام .
ما يجري ليس بريئا ولا معزولا عن سياق تاريخي طويل منذ اتفاقية كامب ديفيد ونحن نرى كيف يتم تفكيك الموقف العربي قطعة قطعة وكيف يعاد تعريف العدو والصديق مرة تحت شعار السلام ومرة تحت عنوان الواقعية السياسية واليوم تحت لافتة مواجهة النفوذ الإيرانـي ولكن النتيجة واحدة دائما وهي فتح الأبواب أمام تمدد إسرائيلـي في الجغرافيا والسياسة والاقتصاد .
هل أصبح الخطر الأكبر هو إيران فعلا أم أن هذا الشعار يستخدم كحصان طروادة لتمرير مشروع آخر أكثر وضوحا وأكثر خطورة من الذي يحتل الأرض في فلس<طين ومن الذي يفرض الحصار ويشن الحروب ومن الذي يعلن صراحة أطماعه في المنطقة من الذي هدد وضرب أكثر من مرة سوريا ولبنان ومن الذي لا يخفي العداوة ضد تركيا وقلقه من دور السعودية ومن الذي ينظر إلى الأردن كحدود قابلة لإعادة التشكيل أليس هذا كله موثقا في خطابات وسياسات معلنة أم أن الذاكرة الجماعية أصابها الوهن فجأة .
ثم أي منطق هذا الذي يقول لنا اقبلوا حربا إسرائيلـية على إيران حتى نتخلص من نفوذها هل تحررت دولة عربية واحدة عبر قصف إسرائيلـي هل جلبت الطائرات الإسرائيلـية يوما سيادة أو كرامة لأي شعب أم أنها جلبت المزيد من الدمار والتفتيت وإعادة رسم الخرائط بما يخدم مصالحها وحدها لماذا عندما كانت سوريا تغرق في الدم لم نر تحالفا عربيا سنيا يتحرك لتحريرها من النفوذ الإيرانـي ولماذا عندما كان شعبها يقتل بالبراميل والكيماوي لم تكن المواقف بنفس المستوى ولماذا لا نرى اليوم تحالفا عربيا لردع دولة خليجية دعمت مليشيات مسلحة في السودان واليمن والصومال أم أن التحالفات لا تصبح مشروعة إلا إذا مرت عبر بوابة تل أبيب .
إن تصوير المشهد على أنه معركة بين شرين واختيار أخفهما هو خدعة قديمة الجديد فيها هو الجرأة على تسويقها علنا المطلوب ليس استبدال نفوذ بآخر بل بناء موقف مستقل يرفض الهيمنة كلها ولكن من الأسهل شيطنة المدن والناس واتهامهم بالعمالة بدل مناقشة جوهر المشكلة ألا يمكننا أن نرفض الحروب وصناعة الانقسامات والفوضى سواء جاءت من تل أبيب أو من طهران أو من أي عاصمة خليجية تسعى لفرض نفوذها بطرق ملتوية .
طنجة لم تصبح تابعة لإيران ولكن البعض يريدها أن تصبح صامتة وهذا هو الخطر الحقيقي مدينة تتحول من فضاء حي تتعدد فيه الآراء إلى مساحة خاضعة لرقابة غير معلنة كل صوت فيها يجب أن يمر عبر ميزان الولاء ومن لا يعجبه ذلك يوضع في خانة جاهزة ومريحة .
السؤال الحقيقي ليس أين تقف طنجة بل إلى أين يراد دفعها ومن المستفيد من تخويف الناس من بعضهم البعض ومن تحويل تضامن إنساني إلى تهمة سياسية ومن إعادة تعريف العدو بطريقة تجعل المحتل يبدو شريكا محتملا بينما يصبح المختلف في الرأي خطرا وجوديا .
إما أن نقبل بمنطق الاستبدال نفوذ مقابل نفوذ أو نتمسك بحقنا في قول لا لكل أشكال الهيمنة دون استثناء وهذه هي المعادلة التي يحاول البعض دفنها تحت ضجيج الاتهامات السهلة والسريعة.



