
محمد بوزيدان
الانتماء للوطن وحبه والدفاع عنه هو من أوجب الواجبات الدينية والقانونية، فلكل إنسان وطن ينتمي إليه، يُعلي رايته ويفتخر بماضيه وحاضره، ويعمل على أن يكون أفضل الأوطان وأرقاها بين الأمم والشعوب، عِلميا واقتصاديا وسياسيا، ويُقدم الغالي والنفيس من أجل حريته واستقراره، كما فعل أجدادنا في سبيل استقلال المغرب من الاستعمارين الفرنسي والإسباني، فَضحّوا بأرواحهم وأموالهم لتحريره من قبضة المستعمرين، فبرز رجال أُسودٌ جعلوا من ميادين الجهاد مُستقرا لهم فلم يغادروها حتى استشهدوا أو نالوا حريتهم وحرية وطنهم، نذكر من بينهم محمد بن عبد الكريم الخطابي بطل معركة أنوال، وموحا أو حمو الزياني الذي قاد كتائب المقاومة من جبال الأطلس الشامخة، وعسو أوبسلام من تنغير في الجنوب الشرقي للمملكة.
المغرب من الدول العريقة فوق هذه البسيطة، فوُجوده ضاربٌ في أعماق التاريخ، وقد تناوب على الاستقرار فيه حضارات قديمة تركت أثرها على أرضه، وأكسبته تعددا وتنوعا يَمنحه الغِنى والتميز على بقية الدول، والأثار التاريخية المنتشرة فوق ترابه شاهدة على ذلك. فمن أراضيه بدأ فتح الأندلس، يوم انطلق طارق بن زياد إلى الضفة الأخرى مُعلنا عهدا جديدا فوق التراب الإسباني، الذي استمر لثمانية قرون، حيث انتشر المسلمون بحضارتهم وشرائعهم العادلة وثقافتهم المستنيرة التي عمّت أوروبا، فأصبحت مدن مثل غرناطة وإشبيلية منارات للعلم يقصدها الأجانب من كافة أصقاع العالم.
وقاوم المغرب الإمبارطورية العثمانية وهي في أوجها، لمّا عزمت على احتلال أراضيه أسوة بما فعلت في كافة أرجاء العالم العربي والإسلامي، وفي سبيل ذلك دفع السلطان السعدي محمد الشيخ حياته، لمّا رفض الدعاء للسلطان العثماني سليمان القانوني على منابر المساجد، حيث وجّه السلطان العثماني كتابا بذلك للسلطان المغربي فور علمه بسقوط الدولة الوطاسية وصعود الدولة السعدية، لكن محمد الشيخ رفض ذلك وغضب غضبا شديدا في وجه رسول سلطان العثمانيين، وأخذ يتكلم بكلام ينقص من سليمان القانوني وامبارطوريته. فأرسل سليمان القانوني اثني عشر جنديا من خيرة جند الترك، باتفاق مع أحد العاملين في قصر السلطان السعدي، الذي قدمهم لمحمد الشيخ على هيئة جنود جزائريين يُدعمونه ضد العثمانيين، فظن السلطان السعدي أن حكم الجزائر قد اقترب منه، وأنه عمّا قريب سيمتلك مزيدا من الأراضي والدول، لكنه لم يتصور أن الذين استقبلهم بسرور وحبور، ورأى فيهم داعمين له سيقتحمون عليه ذات ليلة خيمته وسيقتلونه ويقطعون رأسه وسيصطحبونه معهم لتعليقه على قلعة في عاصمة الخلافة العثمانية.
أنا مغربي تعني أنني وَفِيّ لهذه الأرض، أُقدم مصالحها على مصالحي الخاصة، وأعمل على جلب المنافع لها ولو لم يصبني شيء من ذلك، مثلما فعل الرواد الأوائل، فلا يكفي أن تقول أنا مغربي فقط وكل أفعالك لا تراعي هذه الكلمة العظيمة. حينما تحول حب الوطن إلى مصدر مُدر للدخل، وأصبح التغني به مجرد شعارات فقط لا تؤكدها الوقائع، أصبح الانتماء له محل شك. فكم من واحد يتغنى ليل نهار بحب المغرب وحب ملكه، وفي مقابلات المنتخب الوطني يلبس الأحمر والأخضر ويرفع الرايات عالية في الميادين الرياضية، وإذا فُتحت أمامه الميكروفونات والكاميرات أغدق في حب المغرب ما لم يقله جميل بثينة في محبوبته، أما موسيقى هاتفه فهي بالضرورة النشيد الوطني. لكنه في عمله ومسؤوليته لا يتوانى في أخذ العمولات غير الشرعية، والقضم من الميزانيات، والسيطرة على الأراضي لبناء التجزئات، ولو كانت تلك الأراضي مخصصة للمدرسة أو الحديقة، كما لا يتردد إن تقدم ابنه أو ابنته لمباراة للوظيفة العمومية أن يسلك جميع السبل لإنجاحها وترك من هم أفضل منها في قاعة الانتظار، أما إن كان مسؤولا عن صفقة عمومية لطريق أو مُنشأة فلا بأس من إزالة بعض الملايين أو الملايير ولو اشتكى الناس بعدها من التشققات يُرجع الأمر للشركة وللظروف الطبيعية. تمددت هذه الظواهر السلبية فأنتجت النقط مقابل الجنس في الجامعات المغربية، وتَبِعتها مكالمات وملفات فساد في سلك القضاء، وتلاعب مسؤولين جامعيين بنتائج مبارايات كرة القدم، كما ظهر بعض الصحفيين الذين يكتبون تحت الطلب غير عابئين بتشويه صورة الأبرياء ورميهم هم وأبناؤهم في غياهب حروب نفسية لا أول لها ولا آخر.
هؤلاء ومثلهم كثير هم من يمتصون دماء الوطن، ويتسببون في ترتيبه في ذيل قوائم التنمية والتعليم. لذلك وجب تفعيل كل الإجراءات القانونية ضدهم، وأولها القانون الجنائي الذي سحبته هذه الحكومة والذي يجرم الإثراء غير المشروع الذي سيضع الحد لظهور أغنياء الأزمات، وتجار المآسي.
أن تكون مغربيا إذن لا تعني فقط أن تؤلف القصائد الشعرية في حب الوطن والتغني به، ولا تعني التظاهر بذلك في المنصات والوسائط الاجتماعية، بل الأمر أكبر من ذلك، حب الوطن يعني أن تخلص له وتعمل على تقدمه في الموقع العملي والمهني والمسؤولية التي أنت فيها.



