صلاح السعدني، العمدة الثائر!

محمد بوزيدان
الفن مثل السياسة، أهدافهما نبيلة لكن ممارستهما تشوبها الكثير من الانحرافات جعلت بعض الناس لا يلتفتون ولا يأبهون بما سينتجه الفن ولا ما سيتمخض عن العملية السياسية. وكما يوجد في السياسة أناس شرفاء، يحفل الفن كذلك ببعض الفنانين المبدئيين، الذين لا يأكلون على جميع الموائد ويستميتون في الدفاع عمّا يعتقدونه صحيحا. لعل الفنان المثقف صلاح السعدني الذي رحل عن عالمنا يوم 19 أبريل الماضي من بين هؤلاء الذين اتخذوا من الفن قوة ناعمة للتغيير.
لم يدرس العمدة صلاح السعدني فن التمثيل شأنه شأن العديد من عظماء الفن السابع، الذين لم تطأ قدمهم معهد السينما بل شكلت الموهبة سر تميزهم، كعادل إمام الذي درس الزراعة، ويحيى الفخراني الطبيب، وفارس السينما المصرية أحمد مظهر، هذا الأمر لم يمنع هذه الكوكبة وغيرها من التألق في الدراما والمسرح المصري.
التقى صلاح السعدني مع صديقيْ عمره الراحل سعيد صالح وعادل إمام بكلية الزراعة، حيث مارسوا فن التمثيل في فرقتها التي كان يشرف عليها الزعيم. لقد بدأ المشوار الفني الاحترافي لصلاح السعدني بمنع سياسي وأنهاه بمنع آخر حرمه من الظهور على الشاشة لمدة عشر سنوات، حيث يعتبر مسلسل القاصرات الذي قدمه سنة 2013 آخر عمل له.
لم يتردد صلاح السعدني في مساندة ثورة يناير بل همّ للمشاركة فيها بميدان التحرير لولا أن صحته خانته، ولا في مناهضة التطبيع عبر أدواره المتعددة أو تصريحاته المقاومة.
مُنع من التمثيل حوالي ثلاث سنوات في عهد الرئيس أنور السادات لأنه وقّع على بيان المثقفين الذي ينتقد طريقة الحكم. كما طاله المنع والتضييق بسبب كتابات أخيه الأكبر الصحفي الشهير محمود السعدني الذي لقبه البعض بإمام الساخرين، حيث حكى محمود نكتة مستهزئة بالرئيس السادات في مكالمة هاتفية مع أحد أصدقائه، فسُجلت النكتة من طرف الأجهزة الأمنية وسمعها السادات كما نطقها محمود السعدني، فدخل بسببها للسجن ونُفي بعد خروجه منه ولم يعد لمصر إلا بعد وفاة السادات. فصدرت الأوامر بالتضييق على أخيه الممثل المبتدئ حينها صلاح السعدني فقاطعه المنتجون والمخرجون، وكان هذا سببا في تأخر ظهوره على الساحة الفنية، عكس زميليه سعيد صالح وعادل إمام اللذان بدأ نجمهما يسطع وأخذا أدوار البطولة في عدد من الأعمال. فلم يجد صلاح إلا ستوديوهات عجمان في دولة الإمارات العربية المتحدة ليكسر الحصار المضروب عليه، وكانت عجمان حينها قبلة لعدد من الفنانين المصريين حيث تم إنتاج العشرات من المسلسلات.
من غرائب الأمور التي حدثت حينها، وذلك بهدف الإمعان في الإضرار بصلاح السعدني وتخويف الوسط الفني من التعامل معه، إصدار الرئيس أنور السادات أمرا بطرده من حزب الاتحاد الاشتراكي، فكتب الخبر في الصفحة الأولى من الجرائد القومية الواسعة الانتشار، لكن الطريف في الموضوع أن صلاح السعدني لم يكن يوما عضوا في حزب الاتحاد الاشتراكي!
ولسخرية الأقدار تكرر معه نفس الأمر في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، فتم فصله سنة 1985 من حزب التجمع ذي التوجه اليساري لأن صلاح السعدني أدى دور عبد الواحد الذي استهزأ بالأفكار اليسارية في فيلم “فوزية البورجواية”، ولم يكن عضوا فيه كذلك، كما تم التحقيق معه في أمن الدولة لانتقاده الأوضاع المزرية للشعب المصري.
تنوعت الأدوار التي أداها الفنان صلاح السعدني بين الكوميديا والتراجيديا، فَلَه قدرة مذهلة على التشخيص وحفظ الأدوار وتقليد الممثلين. شارك في أكثر من مائتي عمل درامي، لكن تاريخ الفن المصري يسجل له تميزه في بعضها. الطريف في الموضوع أن الأدوار التي أبدع فيها وظلت عالقة في أذهان مُحبيه لم يكن هو المرشح الأول لها، كمسلسل ليالي الحلمية سنة 1988 التي لعب فيها بنجاح كبير دور العمدة سليمان غانم الذي اشتهر بصراعه مع سليم باشا البدري، حيث كان الدور مقترحا في البداية على الفنان سعيد صالح الذي اعتذر بسبب تصويره لفيلم “سلام يا صحبي” مع عادل إمام. كما أن شخصية حسن النعماني في مسلسل “أرابيسك” سنة 1994 الذي يُعد من أهم الأعمال في تاريخ الدراما المصرية، والتي أداها صلاح السعدني بمهارة كبيرة، كانت مقترحة على الفنان أحمد زكي الذي لم يتمكن من تشخيصها لأنه كان بصدد تصوير فيلم “ناصر 56”. كما جسّد صلاح السعدني دور ياسين في مسلسل “بين القصرين” للأديب نجيب محفوظ والذي لعب بطولته “سي السيد” الفنان محمود مرسي، وساهم السعدني أيضا في فيلم “الأرض” بشخصية علوان بجانب قامات كبيرة في السينما المصرية كمحمود المليجي، ويحيى شاهين، وعزت العلايلي، وقدّم برنامجا في التلفزيون المصري اسمه “الليلة يا عمدة” بالجلابية التقليدية لأهل ريف مصر.
نصف قرن قضاها الفنان صلاح السعدني في الإبداع والإمتاع، هذا الفنان الذي اشتهر بكرمه، فَقدَ دفئ والدته مبكرا حيث غادرته وهو في مقتبل العمر، وللتعويض عن حنانها كان يتصل في مناسبة عيد الأم بالممثلات اللاّتي مثلن دور أمه، كهدى سلطان، وأمينة رزق، وكريمة مختار، وخيرية أحمد. كانت أُمنيته أن يمثل شخصية رئيس الوزراء المصري الأسبق في العهد الملكي مصطفى النحاس باشا، وكأنه يشير إلا أن ذلك العصر أفضل من الذي جاء بعده حيث سيطرة العسكر على الحكم، لذلك تم وأد هذه الفكرة ولم توافق أجهزة الرقابة على إنتاجه.
اشتهر صلاح السعدني بمقولة “الشَبَهية” حيث صرح في حوار على شاشة التلفزيون المصري أن العرب لهم برلمان يشبه الغرب، ولهم حكومة وديموقراطية تشبهه كذلك، ولهم مؤسسات شكلية تشبه نظيرتها في الدول الغربية، لكنها فارغة من المحتوى ولا تؤدي أدوارها.
سَلك بعض الممثلين الطريق الصعب التي مر منها صلاح السعدني، ولم يُطَبِّلوا للأوضاع القائمة بل انتقدوها بشدة فكانت سبب مأساتهم. فالفنان الراحل سعيد صالح الملقب بـ “ملك الخروج عن النص” خرج ذات يوم من سنة 1983 عن نص مسرحية “لعبة اسمها الفلوس” قائلا فوق الخشبة بالعامية المصرية: “أمي اتجوزت 3 مرات، الأول أكّلنا المش، والتاني علّمنا الغش والتالت لا بيهش ولا بينش” والمقصود بهذه الجملة التهكمية الرؤساء المصريون السابقون، فدخل السجن قبل أن تتم تبرئته. أما الممثل الأصيل والشامل عزت أبو عوف فلم يتردد في عهد الرئيس مرسي إبان انطلاق المظاهرات المضادة في 30 يونيو كي يصرح في برنامج مباشر أمام الدعاوى المنتشرة حينها بضرورة التخلص من مرسي، بأن على المصريين الصبر لغاية نهاية حكم مرسي بعد ثلاث سنوات، ثم يغيروه في انتخابات أخرى إذا لم يعجبهم تدبيره لشؤونهم، وأضاف اللهم صبر ثلاث سنوات ولا ثلاثين سنة، في إشارة لحكم العسكر الذي عمّر في مصر منذ 1952 ولازال قائما ليوم الناس هذا، مخالفا بذلك رأي جموع الفنانين والإعلاميين الذين نظموا التظاهرات احتجاجا على حكم مرسي، يومها كان عزت أبو عوف يرى المؤامرات تحاك ضد رئيس مصر لكنه لم يُبالِ، وقد اكتوى بعدها بنيران الحكام الجدد.
رحم الله الفنان الشهم صلاح السعدني ومن سار على دربه من الفنانين الصادقين الذين لا يتلونون ولا يتبدلون.
محمد بوزيدان
25/04/2024



