فلسطين البوصلةمقال رأي

هزيمة “النظام العربي”، وطلائعيّة المقاومة، ولا مبالاة الشعوب

عبد الهادي المهادي
 
قبل 67 كان نظام جمال عبد النّاصر، ومعه كلّ القوميين، لا يتورّع عن القول بأنّه سيرمي اليهود في البحر ويعيدهم مِن حيث أتوا، ولكن 6 أيام من الحرب كانت كافية للصّهاينة لكي يفضحوا زيف هذه الادعاءات… في ستّة أيام احتّل الجيش الإسرائيلي ثلاث جبهات: الجولان (سوريا)، والضّفة الغربية (الأردن) وشبه جزيرة سيناء (مصر). ولم تمرّ بعد ذلك سوى ثلاث سنوات، أي في 70، حتى استنجد الملك حسين بالأمركيين لإنقاذ نظامه يوم هدّده الفلسطينيون، وخاصة الجبهة الشعبية، ومن خلفهم النظام السوري، الأمركيون سيفوّضون هذه المهمة لأصدقائهم الإسرائليين الذين سيؤدّونها على أحسن وجه، والنتيجة “أيلول أسود” سيبقى يسوّد وجه النظام الأردني دائما.
( كان عبد النّاصر، وشبيهٌ به صدّام حسين، مستبدّا، ولكنّه كان وطنيّا، عكس الكثير من حكام العرب اليوم. وكان أمميا أيضا. مشكلته الكبرى أنّه لم يقرأ التّاريخ جيّدا، ولم يستوعب جيدا المحرّكات الفاعلة فيه، وعلى رأسها الدّين.)
لم تحلّق أية طائرة، جميعها ضربت في مرابضها. كانت ضربة قاسية للسوفيات – أصحاب السلاح – الذين تمّ طرد جميع خبرائهم بمجرّد موت ناصر وارتقاء السادات للحكم، وبداية تصفيّته لما كان يسمى بـ”مراكز القوى” النّاصرية (الدولة العميقة). وسريعا شنّ حربا لاسترداد سيناء، وقد كان له ما أراد، وكان بإمكانه أن ينال أكثر من ذلك، كما أكّد مرارا بطل الحرب سعد الدّين الشّاذلي، ليُفاجئ الجميع بعد ذلك، بما فيهم الأمركيين والإسرائيليين، بأنّه يريد السلام، وقد ناله أيضا، ولكن دون أن يأخذ ـ كما صرّح كيسنجير ـ ما يناسبه من أثمان.
انهزم “النظام العربي”، وبدأت عملية “نفض اليد” من القضية الفلسطينية، حتى وصلنا إلى الذّروة مع مسلسل التّطبيع، وكان المنتظر أن يُتوّج بالتوقيع من السعودية، ومن ثمّ الإعلان عن الانتهاء من حل “المسألة الفلسطينية” بالأسلوب الذي يرتضيه العدوّ وتسانده فيه جميع الأنظمة المطبّعة.
المفاجأة التي دوّخت الجميع أنّ المقاومة، التي أعطت الانطباع لسنوات بعجزها، خرجت ذات فجر من بداية أكتوبر 2023م، وبعد 56 سنة من الهزيمة النكراء، لتعلن أنّ الأمّة بخير، وأنّها لن تُسلّم للاستكبار العالمي في قضيّتها.
وها قد مرّ عام، وبأدوات بسيطة كأنّها ألعاب مقارنة بما يمتلكه العدو، صامدة رغم تكالب العالم، غير أنّ الإمداد الشعبي كان مُحبطا، ولو تشجّع النّاس وخطوا مجرّد خطوات صغيرة نحو الأمام؛ تعاطفا واحتجاجا، لتغيّرت المعادلة جملة وتفصيلا.
العدو ـ في ظاهره ـ منتش، ويعتبر أنّ الزّمن هو فرصته التاريخية لـ”التّجدّر” و”التّوسع”، فهو لا شكّ سيستفرغ كامل الجهد لتحقيق أماليه التّوراتية.
لا يمكن، أبدا، للعالم أن يستمر في السّير على نفس الوتيرة التي دُشّنت بعد الحرب العالمية الثانية، لا بدّ من انعطافة، ولابدّ ـ من أجل ذلك ـ من مُحوّل للأحداث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى