من تاريخ بادية الشمال: بنو يدر [2]

بلال الداهية
إن قبيلة بني يدر كانت توصف عادة بأنها قبيلة “مشاغبة” و”شرسة”، وإن جزءا كبيرا من تاريخها هو تاريخ حروب وصراعات قبلية، وكانت النتيجة أن حدود قبيلة بني يدر تقلصت منذ القرن الثاني عشر للهجرة/ الثامن عشر للميلاد إلى حدود مطلع القرن الماضي، وأن جيرانها كسبوا الكثير من المداشر على حسابها، كما يثبت من خلال وثيقة ترسيم الحدود العائدة إلى العهد الإسماعيلي بتاريخ 1140 هـ/ 1727م.
كانت قبيلة بني عروس ألد خصوم بني يدر في القرون الماضية، وإن جملة من مداشر بني يدر ما كان يعد ضمن ما يسمى ب”الحرم العلمي” وهي مداشر “تازية” و”أغبالو” و”الحامة”. فكان الصراع بين القبيلتين حول امتلاكها. وعادة ما كان سبب الحروب وإزهاق الأرواح في قمة التفاهة كما يروى أنه قبل الحماية وقع قتال بين الطرفين بسبب سرقة شخص من بني عروس لبقر شخص من بني يدر. ومنها أن قتالا وقع بين الطرفين في العشرينيات وسط ضريح عبد السلام بن مشيش، بسبب خمسة بسيطات أقرضها يدري لعروسي فلم يردها فضربه اليدري وتعصبت بنو عروس لصاحبها فانهالت على اليدري ضربا، حتى كبر القتال وتطور إلى حرب طويلة جدا امتدت لأعوام، واضطر محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى التدخل شخصيا لفض النزاع بين القبيلتين بإرسال أحد مندوبيه مع أحد شرفاء بني ريسون. ونتيجة لهذه الحروب الطويلة الأمد مع بني عروس فإن بني يدر فقدت مدشرين كانا ضمن “الحرم” المذكور أعلاه وهما “أغبالو” و”تازية” لصالح بني عروس، وتراجعت حدودها نحو الشمال بعد أن كانت النقطة الحدودية هي الفج الشاهق المسمى “باب الرقايع”.
لم يختلف الوضع بالنسبة لباقي القبائل المجاورة، فقبيلة بني حزمار مثلا التي من المفروض أن تكون حدوها مع بني يدر قارة وثابتة لوجود وادي المحجرات الذي يفصلهما عن بعضهما، لم تكن حروبها مع جارتها تتوقف إطلاقا، ولعل أكبرها تلك التي وقعت في نهاية القرن الثالث عشر للهجرة/ التاسع عشر للميلاد، حينما عبر بنو يدر الوادي وهاجموا قرى “بني راتن” الحزمرية، وأحرقوا بعض منازلها، فردتهم بنو حزمار وطاردوهم إلى الوادي.
ونزلت دماء كثيرة أيضا بين بني يدر وجيرانهم بني مصور، وكان الصراع شديدا على الموضع الذي به الآن سوق اثنين بني حرشن، وإذا ما عدنا إلى رسم الحدود الذي تم في العهد الإسماعيلي يتضح لنا جليا أن بني يدر قد خسروا أيضا شيئا من أراضيهم لصالح المصوريين. أما الصراع حول سوق بني حرشن فقد انتهى بتدخل الولي محمد البقالي دفين مدشر “الهساكرة” المعروف ب”سيدي محمد د الحضرة” ليصلح بين الطرفين، وسوق بني حرشن الآن هو من جملة أراضي بني مصور.
أما قبيلة وادي راس فكان صراعها مع بني يدر على مدشر “دار الغابة”، وحينما وقع اتفاق رسم الحدود في العهد الإسماعيلي أقرت الأطراف جميعها بأن مدشر “دار الغابة” لوادي راس، وأن الحد بين الطرفين يبدأ من مجاز أبي صفيحة (حيث بنيت القنطرة لاحقا) ويسير مع وادي شقور (سمي في الوثيقة ششكور) أحد روافد وادي مرتين، ثم ينتهي إلى عيني ماء إحداهما تسمى “عين الخنازير” والأخرى “عين الحلقة” والتي تنبع من فج يطلق عليه “خناق عين الحلقة”، و”الخناق” في لهجة الجبليين: الفج الشديد الوعورة. وبقي مدشر “أمزال” إلى وقت قريب جدا مجالا للتداخل بين القبيلتين فتارة يكون لبني يدر وتارة أخرى لوادي راس.



