مقال رأي

قصة فلسطين..في انتظار غودو!

محمد بوزيدان

في انتظار غودو مسرحية كتبها الكاتب الإيرلندي صمويل بيكيت، تدور أحداثها حول رجلين يُدعيان فلاديمير واستراغون ينتظران شخصًا يدعى غودو، أَمَلا في أن يخلصهما من حالة البؤس والفقر واليأس التي يعيشانها، غودو هذا لا يصل أبدا، وفي أثناء انتظارهما، ينخرطان في مجموعة متنوعة من المحاورات ويقابلان ثلاث شخصيات أخرى.

في انتظار غودو، هي ترجمة بيكيت لمسرحيته الأصلية باللغة الفرنسية، هي ملهاة مأساوية من فصلين، ألّف النسخة الفرنسية الأصلية ما بين 9 أكتوبر 1948 و29 يناير 1949 وكان افتتاح أول عرض في 5 يناير 1953 في مسرح بابلون من إخراج روجر بلين بباريس. عُرضت النسخة الإنجليزية لأول مرة في لندن عام 1955. في استطلاع للرأي، أجراه المسرح الوطني الملكي البريطاني عام 1990، جرى التصويت على أنها أهم مسرحية في القرن العشرين باللغة الإنجليزية.

منذ سنة 1948 تاريخ إعلان دولة إسرائيل، وقبلها وعد بلفور الصادر في 2 نونبر 1917 وما رافقه من إجرام العصابات الصهيونية على الأراضي الفلسطينية من مذابح تشيب لها الولدان، مثل مذبحة دير ياسين ومذبحة قرية الطنطورة، وكفر قاسم وغيرها، والفلسطينيون ينتظرون قدوم إخوانهم العرب والمسلمين لتخلصيهم من عدو تكالب عليهم بدعم من القوى العالمية العظمى.

في تلك السنة وبعدما أعلن ديفيد بن غوريون الرئيس التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية ومدير الوكالة اليهودية في 14 ماي 1948 على قيام دولة يهودية في فلسطين بعد انسحاب الانتداب البريطاني، الذي كان زعماؤه يرون أنه من حق أي عرق أن يزيح عرقا آخر من أرضه لأنه الأفضل، وبهذا المعنى انتشرت مقولة تشرشل التي قال فيها: “لن أعترف بأن خطأ كبيرا قد ارتُكب بحق الهنود الحمر في أميركا أو السود في أستراليا بإحلال عِرق أقوى وأعلى نوعية مكانهما”. وَعَد بن غوريون بأن الدولة الجديدة ستفتح أبوابها أمام هجرة اليهود لتجميع شمل المنفيين حسب نص الإعلان. سارعت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي إلى الاعتراف بدولة إسرائيل بعد دقائق من إعلانها.

شكّل ذلك الإعلان صدمة للدول العربية التي جمعت جيوشها وتوجهت لفلسطين لتحريرها. يبدو أن غودو قد عاد ومعه من العتاد والرجال ما يكفي لطرد اليهود المحتلين إلى غياهب المجهول! حينها لم تكن العصابات الصهيونية مُجهزة بأسلحة تفوق الأسلحة العربية، ولم يكن لديها جيش نظامي كما هو متعارف عليه اليوم، فعدد سكان عاصمة عربية واحدة يفوق عدد الجنود اليهود. لكن حجم التخبط والعشوائية التي ظهرت على الحكومات والجيوش العربية لم يتصوره أحد، ففي مصر الدولة العربية الكبرى التي دخلت الحرب في عام 1948 بعد مرور أكثر من ستين عاما على آخر الحروب التي خاضتها قبل الاحتلال البريطاني للبلاد عام 1882، ساد فيها الحديث لعقود عن أن النظام الملكي أرسل الجيش بأسلحة فاسدة عن عَمْد، بينما شاع في العراق الحديث عن أن أحد القادة العسكريين في الميدان قال والحنق يملؤه: “ماكو أوامر”، بمعنى أن القيادة السياسية كبَّلت الجيوش عن القيام بدورها الصحيح لاستعادة أرض فلسطين. ولكن بعيدا عن تلك الروايات الشعبية التي تكشف لنا تصوُّرات الشعوب العربية عن جيوشها آنذاك، فإن هناك حقائق ثابتة تثير الدهشة بالفعل، منها مثلا العدد الضئيل للجنود العربية، رغم أن عدد جالية المحتلين اليهود في فلسطين بلغ حينها نحو 650 ألف نسمة لا أكثر، في حين بلغ عدد سكان مصر وحدها نحو 19 مليون نسمة.

لم تكن الدول العربية واعية بخطورة المعركة، أو أنها استسلمت مبكرا للإرادة الصهيونية المدعومة من الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، أو أنها تاجرت بالقضية، لذلك لم تفلح دولة مثل مصر في تعبئة أكثر من عشرة آلاف مقاتل أضافت إليهم فيما بعد نحو عشرة آلاف آخرين في حالة التعبئة القصوى. أما الأردن فأرسل 12 ألف مقاتلا، في حين أرسل العراق 15 ألف مقاتلا، ودخلت سوريا بـ5 آلاف مقاتل فقط، وقدَّمت المملكة العربية السعودية نحو 3000 مقاتل، وشارك لبنان بنحو 1000 مقاتل. وعلى صعيد السلاح، لم يكن المشهد أقل تخبُّطا وعشوائية، فرغم أن التقدم التكنولوجي لصالح إسرائيل لم يكن فارقا، أتى حجم التسليح والطريقة التي تسلَّحت بها الجيوش العربية هزيلة مقارنة بالتنظيم والتدريب على الجبهة الصهيونية.

بعد تضييع فرصة طرد الاحتلال سنة 1948، اكتسحت العالم العربي موجة من الانقلابات العسكرية التي أطاحت بالأنظمة الملكية، في مصر، وسوريا، والعراق، وتفاءل العرب خيرا بالقيادات الجديدة التي جاءت من المؤسسة العسكرية، التي انقلبت ضد (ظلم) الملكيات الحاكمة، التي وصفتها بالأنظمة المحافظة والفاسدة، وكلنا يتذكر كمَّ التشهير الذي تعرض له ملك مصر فاروق، حتى ظن المصريون أنه شيطان يمشي بينهم ويتحكم في مصيرهم، قبل أن يدركوا أن ما ينتظرهم أدهى وأمر!

تفاءل الفلسطينيون بأن غودو قد وصل، لاسيما وهم يرونه يبهر الناس بخطبه الرنانة وأحاديثه عن القومية العربية، واحتضانه لبعض منظماتهم المقاومة للاحتلال الصهيوني. لقد رأى الجميع في جمال عبد الناصر المُخَلّص من تلك الحالة الكارثية التي تعيشها فلسطين، قبل أن يكتشفوا أنه لم يكن سوى ظاهرة صوتية، جادت بها الأيام لدغدغة عواطف العرب، الذين أدمنوا على إذاعته التي تبث من القاهرة “صوت العرب” وهي تبشر بالانتصارات الوهمية والفتوحات المتخيلة، ولمن أراد أن يعرف كيف دبّر الضباط الأحرار شؤون مصر، فليستمع لشهادة أحدهم أدلى بها قبل سنوات لبرنامج شاهد على العصر على قناة الجزيرة، وهو اللواء جمال حمّاد الذي لم يكن إخوانيا حتى لا يتهم بالانحياز، المرجو ممن يقرأ هذا المقال أن يشاهد تلك الشهادة الصادمة. تأكد هذا في الخيبات التي توالت، كان أكبرها وأقساها الهزيمة النكراء لسنة 1967 التي سمّاها محمد حسنين هيكل عرّاب الانقلاب نكسة حتى لا يقال هزيمة، في تلك الحرب لم تقاتل الجيوش المصرية، بل قُصفت طائراتها وهي في المطارات الحربية جاثمة، والطيارون يلهون ويلعبون في السهرات الماجنة، وقيادات الجيش منهمكة في جمع الثروات وإحكام قبضتها على الشعب المصري وإيهام بقية العرب بالنصر القادم.

فهمت حركات المقاومة الفلسطينية الحقيقية عبر التاريخ أن انتظار غودو هو مضيعة للوقت، وأن المعتصم الذي استجاب لنداء امرأة لن يكرره زمننا الحاضر، لذلك كشفوا عن سواعدهم وهبّوا لفرض الأمر الواقع، فظهر فيهم كمال عدوان وغسان كنفاني، وأبو علي مصطفى ويحي عياش، وياسر عرفات في نسخته الأولى مع بدايات حركة فتح، وأحمد ياسين والرنتيسي، الذي نفذ أبناؤهما في حركة حماس عملية 7 أكتوبر المجيدة التي ستغير موازين القوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى