مقال رأي

إعادة الترجمة بين إثراء اللغة وإهدار الجهد

 محمد بوزيدان         

          يشير مصطلح “إعادة الترجمة” إلى فعل إعادة ترجمة عمل سبق ترجمته إلى نفس اللغة، فالنص المترجَم مرة واحدة يعد غير كامل و إعادة ترجمته تسعى لتحقيق الكمال، كما قال باحث الترجمة الفرنسي أنتوني بيرمان، و هذا النوع من الكمال الذي قصده بيرمان يتعلق بنجاح الترجمة في الاقتراب من النص الأصلي والوفاء له و لمتلقيه، لأن الترجمة ميدان الأعمال غير المكتملة بامتياز، فترجماتنا الخاصة و كذا ترجمات غيرنا من أهل الاختصاص و حتى المحترفين منهم، تستدعي في أغلب الأحيان إعادة الترجمة، هذه الأخيرة تعمل جاهدة على تصحيح و تقويم و إكمال الترجمات السابقة.

 يقول فيلسوف اللغة أرنست رينان “إن عملا غير مترجم يمكن عده نصف منشور”، سبق أن ذكرنا أن القراء الفرنسيين يعجبون كثيرا بالكاتب الأمريكي إدغار آلن بو أحد رواد القصة القصيرة في حين أنه لا يحظى بالإعجاب ذاته لدى القراء الأمريكيين في بلده الأصلي، ويعود السبب في ذلك إلى أن الذي ترجمه للفرنسية هو الشاعر الكبير شارل بودلير، فصاغه بأسلوب تخلص فيه من صعوبة أسلوبه الإنجليزي الأصلي وتعقيداته. لذلك تعد ترجمة نص أدبي زيادة في قيمته، بل إن بعض الأعمال حظيت بأكثر من ترجمة لأن النص فضاء مفتوح والترجمة قراءة والقراءات تتعدد بتعدد القراء والمترجم قارئ قبل أن يكون مترجما، وقد اختلفت أسباب إعادة ترجمة الأعمال المترجمة، ففي رسالة حنين بن إسحاق إلى علي بن يحيى، يذكر بعض الكتب التي ترجمت إلى السريانية أو العربية أكثر من مرة، والسبب يعود حسب قوله إما لفساد الترجمة أو العثور على نسخ جديدة للأصل الذي تمت منه الترجمة.

قد تكون ترجمة عربية لنص معين منذ مائة عام غير صالحة بالضرورة ليومنا هذا، فعلماء اللغة و خبراء الترجمة يوصون بإعادة ترجمة الأعمال الأدبية الخالدة بين حقبة زمنية و أخرى لأن اللغة في تحول و تطور، ففي كل يوم تشيخ كلمات و تموت كلمات و تولد كلمات، في كل يوم تكتسب بعض الألفاظ معاني جديدة أو تستعمل في تعبيرات و سياقات مختلفة عن استعمالاتها السابقة، فأسلوب السجع -مثلا- المرصع بالمحسنات البديعية و الموشى بالكلمات الحوشية النادرة الذي كان يعتبر في وقت من الأوقات قمة البلاغة، لم يعد اليوم ملائما لروح عصر السرعة الذي يتطلب الكلمة الرشيقة و العبارة القصيرة و النقلة الخفيفة، لذلك فإن قارئ اليوم قد لا يتذوق ترجمة تمت صياغتها قبل نصف قرن أو أكثر بلغة تبدلت و تغيرت.

وقد يكون الدافع من وراء تعدد الترجمة هو ما يمكن وصفه بعدم الاكتمال و يدفعنا لطرح تساؤلات من قبيل، هل معنى تعددية النص المترجم ما يشير إلى عدم اكتماله، و أنه بحاجة ماسة إلى ترجمات متعددة كي يكتمل المعنى؟ أو لأن للنصوص المترجمة عمرا افتراضيا، و بعدها تشيخ و من ثم نحتاج إلى أن يتجدد شبابها بترجمة جديدة؟ أو لأن هذا النص الجديد يحمل إضافة عن النصوص المترجمة سابقا؟ وما هي أشكال هذه الإضافة؟ هل يذكرها المترجم في مقدمته أم يكتفي بعبارات مبهمة عن أن الترجمات السابقة أساءت للنص بالحذف و البترو سوء الفهم أحيانا؟ لماذا تعددية الترجمة تظهر في الأعمال الأدبية و لا نراها في الأعمال العلمية أو حتى الفكرية؟ هل نحن أمام فوضى يحكمها تنافس تجاري بين دور النشر أو غياب المؤسسة التي ترعى الترجمة بوصفها مشروعا حضاريا و تنمويا؟

تتجدد هذه التساؤلات مع صدور طبعات حديثة من الأعمال الكلاسيكية بترجمات جديدة،

و قد استطلعت “العربي الجديد” آراء المترجمين حول هذه الظاهرة. المترجم السوري بدر الدين عرودكي يرى أنه لا يمكن القول إن الترجمات الجديدة أفضل أو أكثر قربا من القارئ إذ ترتبط المسألة على الدوام بمقدار اقتراب نص الترجمة  من النص الأصلي المترجم عنه، و ينطبق هذا المعيار على الأعمال التي سبق ترجمتها و حاجتها إلى الترجمة من جديد. فإذا ما اكتشف أن الترجمة القديمة لم تكن كافية في مدى اقترابها من النص الأصلي أو إذا كانت تنطوي على أخطاء كثيرة في فهم النص الأصلي كما هو الأمر في الترجمة الفرنسية لأعمال كافكا التي تمت سنة 1938، فكان لابد من إعادة ترجمتها في نهاية القرن الماضي بسبب أخطائها العديدة التي جعلت طه حسين في حينه يكتب عن أدب كافكا تحت عنوان “الأدب السوداوي” في حين كان أصدقاء كافكا يضجون بالضحك حين يقرأ عليهم فصلا من رواية له أتى على كتابته مثلا. و يذهب المترجم المصري أحمد شافعي إلى القول أن الأخطاء لا تبرر إعادة الترجمة، إذ يمكن تداركها في طبعات تالية و يضيف “ما دمنا نتكلم عن أخطاء لا جرائم” و أن إعادة الترجمة لا تليق إلا بالنصوص الكبرى، النصوص المؤسسة التي قد يحتاج كل جيل إلى تأملها و التفاعل مع ما ستطرحه من أسئلة و مناقشة فهمه لها مثل شكسبير و دوستويفسكي و جلال الدين الرومي.

هناك من يعتبر أن تعدد ترجمة النصوص الأدبية مضيعة للوقت والجهد وهناك  فريق آخر يعتبر ذلك ضرورة أدبية لإعلاء من قيمة الأعمال الأدبية خصوصا الكلاسيكية منها، في المقال القادم بإذن الله سنتوسع في عرض سلبيات و إيجابيات إعادة الترجمة مع تقديم بعض النماذج على ذلك.    +

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى