
عبد الصمد أدنيدن : جريدة بيان اليوم
حذر تقرير أمريكي حديث من أن الدينامية الاقتصادية والصناعية التي يشهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة قد تواجه تحديات بنيوية متزايدة، على رأسها البطالة المرتفعة والإجهاد المائي، رغم النجاحات التي حققتها المملكة في مجالات التصنيع والطاقة والبنية التحتية والتموقع الجيوسياسي.
وأوضح التقرير، الصادر عن مبادرة شمال إفريقيا التابعة لمعهد Middle East Institute الأمريكي تحت عنوان “Morocco Country Policy Report”، أن المغرب تمكن من ترسيخ موقعه كقوة وسطى صاعدة” تربط بين أوروبا وإفريقيا والفضاء المتوسطي، مستفيدا من سياسة صناعية متقدمة وتوسع في سلاسل التجارة العالمية، إلى جانب ما وصفة التقرير بـ البراغماتية الاستراتيجية في تدبير علاقاته الدولية
وأشار التقرير، الذي أعده الباحثون لانا بليك وحفيظ الغويل ويوسف جان إلى أن المملكة لم تعد تقتصر على لعب دور “الدولة العازلة في ملف الهجرة بالنسبة لأوروبا بل تحولت إلى فاعل إقليمي نشط يستثمر موقعه الجغرافي لتعزيز التجارة والاستثمار والتعاون الأمني بين القارات.
وسجل التقرير أن المغرب انتقل تدريجيا من اقتصاد قائم على التصنيع منخفض الكلفة إلى منصة صناعية وتكنولوجية موجهة للتصدير، خاصة في قطاعات السيارات والطيران والمعادن الاستراتيجية والطاقات المتجددة، ما مكنه من تعزيز اندماجه في سلاسل القيمة العالمية.
وفي هذا السياق، أبرز التقرير أن المملكة أصبحت أكبر مصنع للسيارات في إفريقيا وبإنتاج يفوق مليون مركبة سنوياً ، مدعوما باستثمارات تقودها مجموعتا Renault Stellantis، إضافة إلى المنظومة الصناعية واللوجستية المرتبطة بميناء طنجة المتوسط، الذي تحول إلى أكبر ميناء للحاويات في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، بعدما عالج أكثر من 10.2 ملايين حاوية سنة 2024 .
بحسب التقرير. كما أشار المصدر ذاته إلى أن المغرب يراهن على رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 56 في المائة من القدرة الكهربائية بحلول سنة 2030 مع تطوير مشاريع مرتبطة بالهيدروجين الأخضر وصناعة البطاريات والمعادن الاستراتيجية، خاصة الفوسفاط والكوبالت والنيكل. وأكد التقرير أن المملكة تسعى أيضا إلى التموقع كمركز عالمي لصناعة مواد بطاريات الليثيوم، مستفيدة من استثمارات صينية وأوروبية واتفاقيات موقعة مع شركات عالمية الصناعة السيارات الكهربائية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، اعتبر التقرير أن المغرب يواجه تحديات بنيوية قد تهدد استدامة هذا المسار”، وعلى رأسها البطالة المرتفعة في صفوف الشباب والتي تتجاوز 35 في المائة بالمناطق الحضرية إضافة إلى ضعف مشاركة النساء في سوق الشغل واستمرار الفوارق المجالية بين المدن الساحلية والمناطق الداخلية
وسلط التقرير الضوء بشكل خاص على أزمة الإجهاد المائي التي وصفها بـ “الهيكلية”، مشيرا إلى أن حصة الفرد من المياه تراجعت من نحو 2560 مترا مكعباً خلال ستينيات القرن الماضي إلى حوالي 565 مترا مكعبا حاليا ، ما يجعل المغرب من بين أكثر الدول تعرضاً لخطر ندرة المياه.
وفي المقابل، سجل التقرير أن الرباط تبنت خلال السنوات الأخيرة استراتيجية واسعة المواجهة هذه التحديات تشمل تحلية مياه البحر، وتوسيع شبكات السدود، وربط الأحواض المائية، وتطوير أنظمة الري بالتنقيط، إلى جانب استثمارات ضخمة في مشاريع الطاقة النظيفة.
وعلى المستوى الجيوسياسي، اعتبر التقرير أن قضية الصحراء المغربية ما تزال تمثل “المحور المركزي” للسياسة الخارجية للمملكة، مشيراً إلى أن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء سنة 2020، ثم قرار مجلس الأمن الأممي لسنة 2025 الذي ركز على مبادرة الحكم الذاتي المغربية، منحا الرباط مكاسب دبلوماسية مهمة في مواجهة جبهة البوليساريو والجزائر
كما أبرز التقرير أن المغرب عزز حضوره داخل القارة الإفريقية منذ عودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، من خلال توسيع نشاط بنوكه وشركاته واتفاقياته الاقتصادية والدينية في دول غرب ووسط إفريقيا، فضلاً عن مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي مع نيجيريا.
وفي ما يتعلق بالعلاقات الدولية، وصف التقرير الشراكة المغربية الأمريكية بأنها استراتيجية ومتعددة الأبعاد “، تشمل التعاون العسكري والأمني والتكنولوجي، في وقت يواصل فيه المغرب الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاته مع الغرب والصين ودول الخليج.
وخلص التقرير إلى أن مستقبل المغرب خلال العقد المقبل سيظل مرتبطا بقدرته على تحويل الدينامية الاقتصادية الحالية إلى تنمية شاملة ومستدامة، قادرة على خلق فرص شغل كافية للشباب، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وضمان الأمن المائي والغذائي في ظل التحولات المناخية المتسارعة.



