تاريخ وجغرافياثقافة

من تاريخ بادية الشمال: بلاد أنجرة [1]

بلال الداهية

إن الاسم الذي يغلب على ناحية أنجرة في العصر الوسيط هو اسم “مصمودة”، وهو اسم شعب بربري كبير من شعوب البربر “البرانس”، حسب الشجرة الكلاسيكية لأنساب قبائل البربر، وكان الجيران الجنوبيون لمصمودة يعرفون ب”مجكسة” وهم قبيلة من قبائل غمارة التي تنتمي بدورها إلى شعب مصمودة البربري، وهذا يعني وجود علاقة قرابة بعيدة بين أنجرة وقبائل غمارة، وإذا كانت العناصر البشرية التي كانت مقيمة في تراب أنجرة الحالية قد حافظت على الاسم القديم والأصلي (مصمودة)، فإن جيرانهم الجنوبيين قد استبدلوه آنذاك بالاسم الفرعي الأقدم (غمارة) أو الاسم الفرعي الأحدث (مجكسة).

يرجح عندي أن المصموديين الذين كانوا بقبيلة أنجرة لهم علاقة بقبيلة مصمودة التي لا زالت تحتفظ بهذا الاسم كما هو بين مدينتي وزان والعرائش، يستفاد ذلك من خلال بعض التراجم التي وردت في كتب العصر الوسيط، بل إن الفقيه السراج قد ذهب في “خلاصة تاريخ سبتة” إلى أن المصموديين كانوا من الخوارج الذين ثاروا على السلطة الأموية في مطلع القرن الثاني للهجرة وهاجموا مدينة سبتة، فاستوطن بعضهم ريفها.

والظاهر أن تقسيم القبيلة إلى ثلاث فرق ذو جذور تاريخية قديمة، فتراب فرقة البحراويين حسب المصادر البرتغالية هو موطن لقبيلة بني حزمار التي كانت محصورة بين وادي إليان شرقا ووادي مغوغة غربا، ومجال فرقتي الغابويين والبرقوقيين كان بعضه يوصف بأنه موطن لمجكسة والبعض الآخر هو الذي كان يعد موطنا لمصمودة، ولعل هذا التداخل في المجال الحدودي هو أصل النزاع التاريخي الذي كان بين أنجرة وجارتيها الجنوبيتين الحوز ووادي راس.

لا تخلو قبيلة أنجرة من الحكايات عن السوسيين القدماء الذين استوطنوا الشمال ولحقهم غضب الله وسخطه المتجلي في سبعة أعوام من الضباب أهلكت جلهم، واضطرت من بقي به رمق من الحياة إلى دفن أمواله وكنوزه والهجرة إلى موطنه الأصلي ببلاد السوس الأقصى. وقد نوقشت هذه الأسطورة المنتشرة في كل قبائل الشمال المغربي تقريبا من قبل الكثير من المؤرخين والباحثين، فخلص البعض إلى نفيها بالمرة، وفسرها آخرون بكون المقصود بلفظ “السوسيين” الدولة الموحدية، وأرجعها آخرون إلى الدولة السعدية، بينما اتجه فريق إلى ربط هذه الأسطورة بالعصور القديمة التي سبقت دخول الإسلام إلى المغرب، حيث كان الشمال والجنوب معا موطنا لقبائل مصمودة التي بقيت مختصة بسكنى المغرب الأقصى وحده، ثم حدث انفصال الفرع الغماري في الشمال عن الأصل المصمودي في الجنوب، وبقيت أسطورة أهل سوس الذين دفنوا كنوزهم ويأتون من حين لآخر للبحث عنها، علامة في الذاكرة الشعبية على ماض مشترك بين الطرفين.

يزعم بعض العوام في أنجرة أن السوسيين كانوا مستقرين بالموضع الذي توجد فيه مقابرهم في الجبل الواقع فوق سوق خميس أنجرة، كما ينسب إليهم تأسيس مدشر “الزميج” الذي وضع أساسه على ما هو شائع إلى ولي سوسي يدعى “سيدي المعطي” لا زال قبره معروفا، قدم في القرن السابع للهجرة/ الثالث عشر للميلاد بغاية الجهاد ضد النصارى، وأصله من قرية في بلاد السوس تسمى “زمج”، وقد وجد المكان الجديد شبيها بموطنه الأصلي، خصوصا في أشكال النباتات، فسماه “زميجا” بالتصغير.

ويعتبر المعطى التاريخي الوحيد الذي يدعم قضية هجرة السوسيين إلى أنجرة بغرض الجهاد هو إشارة المؤرخ البرتغالي إيانيش كوميش دي أزورارا إلى مجاهدين جاؤوا من قبيلة جزولة السوسية إلى المنطقة وشاركوا في قتال البرتغاليين، في السنوات الأولى التي تلت سقوط مدينة سبتة. هذا إضافة إلى وجود عائلة تحمل لقب “السويسي” بالتصغير في فرقة البحراويين. وعائلتي “قنقوش السوسي” و”السوسي النعيمي” التي يتخذ بعض أفرادها لقب “النعيمي” مفردا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى