تاريخ وجغرافياثقافة

من تاريخ بادية الشمال: بلاد الأخماس [2]

بلال الداهية

قسم يلصو القبيلة إلى خمسة “أخماس” ربما لأغراض جهادية، وإن كانت المصادر تجعل ذلك تيمنا بالصلوات الخمس التي علمها هذا الرجل لأهل البلاد. وهذه الأخماس هي: بنو زرويل وبنو فلواط وبنو دركول وبنو صالح وخمس “سبعة قبائل”. ويلاحظ أن أربعة من هذه الأخماس الخمسة تقع بالقسم المرتفع من القبيلة المسمى ب”الأخماس العليا”، ووحده خمس “بني زرويل” المنحدر من يلصو هو الواقع بالناحية المسماة ب”الأخماس السفلي” والتي تعد الجزء المنخفض من القبيلة. وهذا الجزء المنخفض هو الذي نشأت بها ثلاثة أخماس أخرى انضافت لاحقا هي أخماس بني تليد وبني جافن وبني جبارة، ليصبح عدد أخماس القبيلة ثمانية.

تزوج الأمير الأموي امرأة من أهل البلاد وله منها أربعة أبناء: زرويل ووطلي ومولود ويزيد. فمن الأول انحدر أغلب سكان خمس بني زرويل ويجمعهم جميعا لقب “اليلصوتي”، ولكن العائلات المتفرعة بعد تطاول الزمان اتخذت ألقاب فرعية كثيرة منها “علوش” و”سليمان” و”ابن سليمان” و”الوارثي” و”مصباح”… ومن الثاني سكان مدشر “بني وطلي”، ومن الثالث الأقدمون من أهل مدشر “الخزانة” حيث ضريح يلصو، والرابع انحدر منه سكان مدشر “بني زيد” وهو المطل الآن على مركز “الدردارة” مما يلي مدينة الشاون، ويبدو من خلال النصوص أن اسمه الأصلي “بني يزيد” وأسقطت منه لاحقا الياء.

لقد كان يلصو على ما يبدو أشبه بالأمير أو القائد على قبيلة الأخماس التي أسسها بالطريقة التي ذكرناها أعلاه، ولا تحدد الروايات تاريخ وفاته، وتقول الأسطورة إن خليفته في الحكم كان رجلا يدعى “تيفو” من أهل البلاد، وإنه أساء السيرة في أهل الأخماس وتجبر وطغى، ولعل فترته توافق فترة تغلب الخوارج على المغرب، فقامت قبيلة الأخماس عليه وقتلوه غيلة في موضع قريب من “الخزانة”، وسمي ذلك الموضع “تيفوزال” وهو مركب من كلمتين: “تيفو” اسم الرجل و”زال” أي “مات”، و”تيفوزال” هذا الآن مدشر كبير قريب من مركز “باب تازا”.

يرى محمد ابن تاويت أن قبيلة الأخماس بقيت أموية الولاء، وإن جارتها غمارة على عكسها قد مالت إلى الدعوة الشيعية، وأن هذا الجانب الديني قد كان عاملا أساسيا في العداوة التي صارت متوارثة في القرون اللاحقة كلها بين القبيلتين، وإذا كانت أخبار القبيلة تنقطع تماما خلال القرون الهجرية الأولى، فإن العلامة ابن تاويت يعتقد أنها كانت جزءا من الصراع الأموي – الفاطمي على المغرب الأقصى والذي انتهى بتغلب دعوة بني أمية عليه وانتشارها حينا في زمن الملك المنصور بن أبي عامر وخلفائه.

ومما لا شك فيه أن قبيلة الأخماس كانت مركزا دينيا مهما جدا حتى في القرون الهجرية الأولى، فقد بنى بها طارق بن زياد جامعا في نهاية القرن الأول بقرية “الشرافات” الواقعة في خمس بني فلواط، وصار أشبه بالمدرسة لتعليم القرآن وقد تجددت وبلغت أوجها منذ العصر المريني. وفي مدشر “الخزانة” نفسه حيث كان يلصو قد ضرب فسطاطه يوجد في حومة “المهرون” منه معهد ديني قديم يقال إنه من آثار القرون الهجرية الأولى بل يزعم بعض فقهاء القبيلة أنه من تأسيس يلصو وأن دار سكناه كانت بجوار هذا المسجد حيث ظهر هذا المعهد المتخصص قديما في العلوم الشرعية وفي علمي الحساب والفلك.

في العهدين الموحدي والمريني مع بداية انتشار التصوف، أصبحت بلاد الأخماس مركزا من المراكز الصوفية الكبرى في المغرب الأقصى، وكان الشيخ أحمد بن عبد الدائم الوطلوي العثماني الأموي – من ذرية يلصو – أحد أقدم أعلام التصوف بالقبيلة، ويعرف هذا الرجل ب”أقطران” و”العسلاني”، ومريدوه لا يحبون اللقب الأول ويفضلون الثاني، ويزعمون في أصل اللقبين أن ضيوفا حلوا بدار الشيخ، فأراد أن يقدم لهم عسلا، فجاءتهم زوجته بالقطران بدل العسل. وشهرة هذا الشيخ أنه كان معلما للقطب عبد السلام بن مشيش أخذ عنه الأخير بعض مبادئ العلوم الدينية والتصوف، وقد طال به العمر حتى أدرك على ما يحكى مقتل تلميذه وتولى تغسيله بيده. وتوفي الشيخ العسلاني بمدشر “أبروج” القريب من “باب تازا” ودفن به وضريحه مشهور إلى الآن.

وقد أصبحت قبيلة الأخماس منذ ذلك العهد شديدة الارتباط بابن مشيش، وزاد من ارتباطها أن معظم النصوص تشير إلى كونها مسقط رأس الإمام أبي الحسن الشاذلي، تلميذ ابن مشيش وسر شهرته، بل إنها عرفت ب”قبيلة الشيخين” نسبة إلى الإمام الشاذلي والإمام أبي الحسن الصغير الآتي ذكره. فتذكر معظم النصوص أن أبا الحسن الشاذلي شريف حسني وأنه ولد بمدشر “اشتنوغل” بخمس بني زرويل قبل أن ينتقل بعد ذلك إلى الديار الإفريقية ثم المصرية.

يتبع

الصور لقرية “الشرافات” والمسجد المنسوب إلى طارق بن زياد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى