تاريخ وجغرافياثقافة

من تاريخ بادية الشمال: جبل حبيب [1]

الصورة لضريح حبيب بن أبي عبيدة الفهري عام 2012.

بلال الداهية

على الطريق الرابط بين تطوان والعرائش تمتد قبيلة كبيرة تعرف ب”جبل حبيب”، هي آخر قبائل جبالة غربا مما يلي طنجة والعرائش، وليس بعدها إلا البسيط الذي عمرته قبائل العرب. وهذا لا يعني أن جبل حبيب كلها جبال، بل إن هذه القبيلة نفسها يوجد بها قسم سهلي وإن كان ضيقا جدا محدودا على هيئة المثلث بنهري “الخروب” و”الحريشة”.
تحد قبيلة جبل حبيب شمالا ببني مصور وشرقا ببني يدر وغربا بقبيلة الغربية وجنوبا ببني عروس، وتتكون من فرقتي “الحيط الفوقي” و”الحيط السفلي” وحالها في ذلك حال بني مصور. والسبب في ذلك كما قدمنا أن قسما منها عبارة عن جبل مرتفع، والقسم الآخر سهلي.
من يكون حبيب هذا الذي سمي الجبل على اسمه؟
يوجد ضريح هذا الرجل في أعلى جبل فرقة “الحيط الفوقي” الذي حمل اسمه منذ القرن الثاني للهحرة، وهو أبو خالد حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري. كان جده عقبة بن نافع الفهري من وجوه قريش، وإليه ينسب إدخال الإسلام إلى المغرب، وقد نال حبيب شيئا من العلم في الديار المشرقية، ثم انتسب إلى أجناد الشام الذين كانوا في إمارة عبيد الله بن الحبحاب والي بلاد المغرب كله من قبل الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك في دمشق.
عرف حبيب بن أبي عبيدة بغزوه بلاد سوس وتخوم الصحراء حيث قاتل قبيلة “مسوفة” وتروي المصادر أنه بلغ بلاد السودان وغنم منها بعض المعادن. وعرف عنه أيضا غزوه جزيرة سردينيا، وهو الوحيد من قادة الفتح الإسلامي الذي غزاها، ففتحها صلحا. وغزا بعدها صقلية وافتتح عاصمتها آنذاك سرقوسة Siracusa، وبينما هو منشغل في صقلية إذ جاءه كتاب من ابن الحبحاب يأمره بالرجوع بسبب ثورة الخوارج الصفرية في المغرب.
ثارت الخوارج في المغرب الأقصى يترأسهم ميسرة المعروف ب”الحقير”، على نائب طنجة من قبل ابن الحبحاب عمر بن عبد الله المرادي، وكان قد ارتكب في حق أهل البلاد الكثير من الفظائع، فعين ابن الحبحاب جيشا لقتالهم انتصروا عليه قرب طنجة وقتل أغلب من كانوا في ذلك الجيش وأكثرهم من أهل العلم ومن أشراف قريش، فعرفت المعركة ب”وقعة الأشراف”.
وأغضبت هذه الهزيمة الخليفة هشام بن عبد الملك في دمشق فأرسل تجريدة عظيمة إلى بلاد المغرب عليها كلثوم بن عياض القشيري وكان حبيب بن أبي عبيدة ضمن هذه الحملة، فلقيهم الخوارج – الذين كانوا قد تخلصوا من ميسرة لأمور مجهولة وولوا عليهم خالد بن حميد الزناتي وأبا يوسف الهواري – على نهر سبو في موضع يسمى “بقدورة” عام 123 هـ وانتهت الوقعة بانتصار الخوارج وقتل فيها حبيب بن أبي عبيدة إلى جانب كلثوم قائد الجيش.
طاردت الخوارج فلول المنهزمين في اتجاه الشمال، فحملوا معهم جثة حبيب المذكور، وخشي ابنه عبد الرحمن أن يتمكن الخوارج الموتورون منها فيمثلوا بها تمثيلا، فحملها إلى رأس جبل في نواحي سبتة دفنها في رأسه حتى لا يطمع أحد في الوصول إليها، ثم اتجه مع الفارين بعد ذلك ليدخلوا مدينة سبتة ويعتصموا بها مدة طويلة تحت حصار الخوارج كما هو معروف ومبسوط في كتب التاريخ. ويذكر أن عبد الرحمن بن حبيب هذا الذي دفن أباه حبيبا برأس الجبل دخل الأندلس مع كل أولئك المحاصرين في سبتة أولا، فلم ينل بها مراده من الزعامة، وهو الذي كان يعتبر نفسه من أبناء الملوك، فهو من قريش وهي قبيلة فوق كل العصبيات، وهو حفيد عقبة فاتح ديار المغرب، فانتقل إلى إفريقية وصار واليا عليها ما تبقى من خلافة بني أمية ثم في دولة أبي العباس السفاح من بني العباس وأخيه أبي جعفر المنصور، وقتل في خلافة هذا الأخير على يد شقيقيه إلياس وعبد الوارث عام 137 هـ.
يرجح أن روضة حبيب بن أبي عبيدة المعروف الآن ب”سيدي حبيب” بنيت في دولة بني مرين، وجعلت عليها القبة كما هو حالها الآن. والقبر يحظى بتقديس واحترام شديدين، ويقام عنده موسم سنوي يعرف ب”اللمة د سيدي حبيب”.
ذكر جبل حبيب باسمه هذا عند البكري في القرن الخامس للهجرة، وأشار البكري إلى أن المحيطين به هم قبيلة “متنة” من قبائل صنهاجة، ويبدو أن الوضع استمر كذلك طيلة العصر الوسيط إلى حدود الغزو البرتغالي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى