
مقالة للكاتب الإسباني بيرنابي لوبيث غارثيا، تتكون من أربعين صفحة، سأنشرها بجريدة لاكرونيك مترجمة للعربية على حلقات. تتحدث عن جذور الوجود الإسباني في طنجة وأهم العائلات الإسبانية، والأحياء التي استوطنتها، والمهن التي زاولتها، والآثار التي تركتها فيها، وعلاقاتها الاجتماعية مع المسلمين واليهود، وكيف كانت طنجة ملجأ للإسبان الفارين من ديكتاتورية بلدهم..
————————
الكاتب: برنابي لوبيث غارثيا
ترجمة: محمد بوزيدان
قريبًا سَتَكتمل ستّون عامًا على صدور كتاب “التاريخ الصغير لطنجة، انطباعات، ذكريات وطرائف من مدينة عظيمة الذي نَشَرَته شخصية بارزة من طنجة، أَلْبرتو إسبانيا.
يُعدّ هذا العمل خلاصةً لطرائف وأحداث شكّلت حياة المدينة، وسير شخصياتها، وتأملات ومقالات نشرها المؤلف في الصحافة الإسبانية أو الطنجاوية، ولا يزال هذا الكتاب مَرجعًا أساسيًا لإعادة بناء ما سمّاه الكاتب بـ “الوضع المميّز لإسبانيا في طنجة”، والذي أشار إليه في مقالٍ نُشر بجريدة El Sol “الشمس” سنة 1926 وجُمِع لاحقًا في الكتاب.
حيث يقول: “هذا الامتياز كان نابعًا من الأهمية العددية لجاليتنا وما أنشأته بنفسها داخل المدينة، ولكن أيضًا بفضل القوة الجارفة والمُتسلطة لتلك الرافعة السامية العظيمة، أي اليهود السفارديم الذين وُجدوا في المدينة منذ قرون”.
أما ألبرتو إسبانيا نفسه، الذي وصل إلى المدينة سنة 1910 لِتولّي إدارة جريدة El Povenir “المستقبل” الناطقة بالإسبانية، فقد كان من نصيبه أن يَنشر ألبومًا بعدة لغات (الإسبانية، الفرنسية، الإنجليزية) حول المدينة التي احتضنته في لحظة حاسمة من تاريخها سنة 1918، وهو بمثابة صورة دقيقة ومُفصلة ومُصوّرة لمؤسساتها وأعمالها وعاداتها.
ويمكن أن يُعدّ تحليله نقطة انطلاق جيدة لِدراسةٍ حول الإسبان المُعاصرين في مدينة البوغاز، لولا أن الأمر يتعلق بتاريخٍ أقدم يستدعي العودة إلى ما يزيد على قرن من الزمن.
أصول الجالية الإسبانية في طنجة
من المعروف جيدًا أن المغرب كان بلدًا مُنغلقًا على الخارج حتى عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله في أواخر القرن الثامن عشر، حين أدرك هذا الملك ضرورة إدماج بلاده في العالم، فقام بفتحها على التجارة من خلال موانئ قديمة وجديدة على المحيط الأطلسي، وأبرم معاهدات مع الدول الأجنبية.
وإدراكًا منه لرفض سكان بلاده استقرار الأوروبيين داخل المغرب، واقتناعًا بفائدة تركيز الممثلين الدبلوماسيين للدول الكبرى في ميناء يمنحهم مزايا التواصل، اختار السلطان حوالي سنة 1777 مدينة طنجة لتكون العاصمة الدبلوماسية للإمبراطورية.
أما إسبانيا، التي كانت قد توترت علاقاتها مع المغرب بسبب حصار مليلية سنة 1774، فقد انتهى بها الأمر إلى تعيين خوان مانويل غونثاليث سَلْمون ممثلاً رسميًا لها سنة 1784، وهو الذي كان يشغل سابقًا منصب نائب القنصل في المدينة.
بعد عامين، تم افتتاح مبنى البعثة الدبلوماسية الإسبانية في قلب المدينة العتيقة بطنجة، عند زاوية شارع البريد الذي يُعرف اليوم باسم شارع المختار أحرضان مع السوق الصغير (Zoco chico)، وهو المبنى الذي تحوّل اليوم إلى ما يُعرف بـ “نُزل بَلاص”. ومنذ سنة 1780 أعلن السلطان المغربي أنه رغم هجومه على مليلية – الذي قام به بدافع ديني فقط، لا لعداوة مع الملك كارلوس الثالث – فإن الإسبان سيجدون في بلاده أفضل استقبال وتقدير، بما يَتناسب مع ما يفعله ملك إسبانيا تجاه المغاربة.
رغم أن ميناء طنجة كان المُفضل لدى التجار لإجراء مشترياتهم الموجهة إلى إسبانيا، وخاصة الماشية بمختلف أنواعها، فإن تركيبة الجالية الإسبانية المُقيمة في المدينة كانت غير معروفة بشكل دقيق، ربما لأنها كانت قليلة العدد.
أما الرحالة دومينغو باديا، المعروف باسم علي باي، الذي بدأ رحلته في العالم الإسلامي من مدينة طنجة سنة 1803، فلم يُشر إطلاقًا إلى تلك الجالية لأن طبيعة مهمته كانت تمنعه من الكشف عن هويته الإسبانية.
لقد أدّت الصراعات الأوروبية في مطلع القرن إلى تدفّق عدد كبير من اللاجئين إلى مدينة طنجة للاستمتاع بالهدوء الذي لم يكونوا يجدونه في أوطانهم إلى درجة أن السلطان اضطرّ إلى التدخّل ليُبقي فقط أولئك الذين لهم مهمة محددة لصالح بلدانهم.
ولهذا، ففي سنة 1815 لم يبقَ في طنجة من المسيحيين سوى سبع عائلات تخصّ القناصل السبعة.
تشير جريدة “لاغاثيتا دي مدريد” في بعض مقالاتها إلى سكان طنجة خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر.
ففي إحدى الإشارات، بمناسبة الطاعون الذي ضرب المدينة سنة 1818، ورد ما يلي:
“القناصل التابعون للدول المختلفة ظلّوا دون أن يصيبهم مكروه بفضل العزلة الصارمة التي يلتزمون بها وهم محبوسون في منازلهم”
وذلك كما نُشر بتاريخ 26 نوفمبر من السنة نفسها.
ولم يُذكر أيّ فرد من الجالية الإسبانية في هذا السياق، رغم أن عدد الوفيات بسبب الوباء خلال الشهرين الأخيرين بلغ 488 شخصًا.



