
“إسبان طنجة” مقالة للكاتب الإسباني بيرنابي لوبيث غارثيا تتكون من أربعين صفحة، سأنشرها مترجمة للعربية على حلقات. تتحدث عن جذور الوجود الإسباني في طنجة وأهم أسماء العائلات الإسبانية، والأحياء التي استوطنتها، والمهن التي زاولتها والآثار التي تركتها فيها، وعلاقاتها الاجتماعية مع المسلمين واليهود، وكيف كانت طنجة ملجأ للإسبان الفارين من ديكتاتورية بلدهم..
——————————————–
الكاتب: برنابي لوبيث غارثيا
ترجمة: محمد بوزيدان
طنجة ملجأ الليبراليين
اشتهرت مدينة طنجة باعتبارها ملجأ لليبراليين الفارّين من القمع المطلق للملك الإسباني فرناندو السابع، قمعٌ ساهم فيه القنصلان أليخاندرو بْريارلي وأنطونيو دي بيراميندي إي فرييري. يقول خوان باوتيستا فيلار في كتابه عن المنفى السياسي الإسباني: “إن قرب الساحل الشمالي الإفريقي من السواحل المتوسطية الإسبانية ووجود منصة الانطلاق بجبل طارق، جعلا من المغرب، وبشكل أكثر تحديداً طنجة، وجهةً وقاعدةً لعمليات بعض المهاجرين من جنوب إسبانيا.”
في شهر شتنبر من سنة 1824 وردت في جريدة لا غاثيتا دي مدريد بعض الإشارات إلى لجوء خمسين ثورياً إسبانيا إلى طنجة، يُعرف أن ثمانية منهم قد اعتنقوا ملة محمد. وفي شهر أبريل مِن سنة 1831 انتشر خبر اختطاف قارب فيخير (Veger) من طرف مجموعة أخرى من العسكريين والتجار الفارّين من قادس لأسباب سياسية، والذين وصلوا إلى سواحل طنجة وهم يهتفون “لسنا مسيحيين، نريد أن نكون مسلمين.”
نُشر أيضًا في جريدة لاغاثيتا دي مدريد بتاريخ 8 غشت 1844 خبـرٌ يتحدث عن الاضطراب الذي عاشته الجاليتان الأوروبية واليهودية في طنجة، بعد أن حاصرتها الساكنة المسلمة في نهاية يوليوز من تلك السنة، وذلك أمام تهديد الأسطول الفرنسي بقصف المدينة، ويشير الخبر إلى إجلاء أكثر من مائتي مهاجر من المدينة.
كان من بين الذين تم إجلاؤهم أربعة رهبان مُبشّرين، ويتعلق الأمر بالفرنسيسكان التابعين لدار العجزة الصغيرة في طنجة التي شهدت انكماش البعثة الكاثوليكية-الإسبانية القديمة في المغرب، تلك التي أدّت دورًا مهمًا في الوساطة ضمن العلاقات الإسبانية-المغربية منذ القرن السابع عشر، ولا سيما وهي تضم مترجمين ومحرِّرين للأسرى.
لكنهم وقعوا في فخ الخلافات بين الليبراليين والمُستبدين، حتى أن القنصل زينون دي أوروي أجبرهم على أداء قسم الولاء للدستور والاحتفال بـ ” Te deum ” (الشكر لله) لانتفاضة رييغو، انتهى بهم الأمر إلى التأثر بمصادرة أملاك الكنيسة عام 1836، الأمر الذي تسبب في ضعف البعثة، غير أنه عقب حرب تطوان لسنتي 1859–1860 أُعيدت البعثة الكاثوليكية إلى موقعها السابق بين المفوضيتين الإسبانية والبرتغالية.
تزامن ذلك الحدث مع توسّع الجالية الأوروبية في مدينة طنجة، وخصوصًا الإسبانية، فمنذ عام 1863 لم يعد الحيز القديم للمدينة العتيقة يَسمح باحتواء السكان الذين يفدون للاستقرار فيها، وبدأ البناء خارج الأسوار في جوار سوق البرّاني (Zoco de Afuera) ، ولاحقًا في أحياء جديدة مثل مرشان أو حي سان فرانسيسكو الذي كان مأهولًا بالإسبان.
وحسب السجل السكاني الذي أعدّته البعثة الكاثوليكية الفرنسيسكانية أواخر عام 1860، فقد ارتفع عدد السكان الأوربيين إلى 657 شخصًا، وكانت الجالية الإسبانية هي الأكبر عددًا وتضم 363 نسمة، تلتها الجالية الأنغلوـ جبل طارقية بـ 130 فردا، ثم البرتغالية والإيطالية بـ 50 شخصا لكل منهما، فالجالية الفرنسية بـ 39 ، ثم السردينية بـ 20 نسمة، والأمريكية الشمالية بـ 3 أنفار، وأخيرًا النمساوية التي لم تكن تضم سوى شخصين فقط، ويُسجّل كناش المفوضية الإسبانية بطنجة وجود 427 إسبانيًا مُقيَّدين سنة 1867 موزّعين على 167 أسرة.
طنجة، جنة الاستشراق
زار المستعرب الغرناطي أنطونيو ألماغرو كارديناس مدينة طنجة سنة 1881، ونشر مقالات وصفية عنها وعن أهلها في جريدة “لا ليالطاد” الصادرة في غرناطة، وسجل انطباعاته عنها قائلا:
“على الرغم من أزقتها الضيّقة، وطراز بيوتها الخاص، وأبوابها الصغيرة ذات أقواس على شكل حدوة الحصان، فإنك ترى في كل مكان أناسًا بلباسٍ أوروبي، وتسمع في كل ناحية اللغة الإسبانية، فلا يبدو أننا انتقلنا من أوروبا إلى إفريقيا، بل كأننا ما زلنا داخل إسبانيا نتجوّل في شوارع حيّ البيازين الشاعري الحزين”.
وفي مقالاته التي يصف فيها الجماعات البشرية التي تسكن المدينة، حيث يعيش “الموروس (المسلمون) والمسيحيون واليهود في سلام تام”، يبرز كارديناس — رغم انتقاداته اللاذعة والمشحونة بالأحكام المسبقة الدينية تجاه ذرية إبراهيم — ما تدين لهم به المدينة من إسهام في بناء صناعتها وحركتها التجارية والملاحية، ويشير إلى أن جميع اليهود يتكلمون الإسبانية، إذ إنهم ينحدرون من أولئك الذين طُردوا من إسبانيا على يد أسلافنا”.



