إسبانُ طنجة – الحلقة 5

“إسبان طنجة” مقالة للكاتب الإسباني بيرنابي لوبيث غارثيا تتكون من أربعين صفحة، سأنشرها مترجمة للعربية على حلقات. تتحدث عن جذور الوجود الإسباني في طنجة وأهم أسماء العائلات الإسبانية، والأحياء التي استوطنتها، والمهن التي زاولتها والآثار التي تركتها فيها، وعلاقاتها الاجتماعية مع المسلمين واليهود، وكيف كانت طنجة ملجأ للإسبان الفارين من ديكتاتورية بلدهم..
———————————————————-
الكاتب: برنابي لوبيث غارثيا
ترجمة: محمد بوزيدان
تطور الهجرة الإسبانية في أواخر القرن التاسع عشر:
وفقًا للسجل أو الإحصاء الذي أعدته البعثة الكاثوليكية الفرنسيسكانية في المدينة بعد بضع سنوات، سنة 1888، كان عدد الإسبان المسجّلين 1042 شخصًا، أي بفارق كبير عن باقي الجاليات الأجنبية، وكانت أكبرها جالية إنجلترا/جبل طارق التي بلغ عدد أفرادها 160 فردا.
أما الباقون فكانوا يتكوّنون من 75 برتغاليًا، و65 إيطاليًا، و58 فرنسيًا، و9 من النمساويين أو الألمان، وثلاثة أمريكيين شماليين.
ولذلك فإن الفترة ما بعد حرب عام 1860 ونهاية الثمانينيات هي المرحلة التي سيتطور فيها عدد السكان الإسبان في طنجة. وتُظهر سجلات البعثة، وفقًا لما يؤكده أحد العارفين الجيدين بأرشيفها، رامون لوريدو (Ramón Lourido)، أن هناك استقرار متواصل للسكان، وغالبيتهم بلا شك من الإسبان، إذ إن أعداد الجاليات الأخرى بالكاد تغيّرت خلال الفترة المذكورة، وتُبيّن ذلك الإحصاءات وبيانات السجلات بين سنتي 1876 و1888، والتي تشمل جميع السكان الأوروبيين في المدينة.
في السنوات التي تلت ذلك، كان الارتفاع مستمرًا وإن كان في رأي خوان باوتيستا فيلار (Juan Bautista Vilar)، غير ذي أهمية من الناحية الكمية.
وكانت هذه الزيادة نتيجة تدفق هجرة عفوية، موازية – وإن أقل حجمًا – لتلك التي كانت تتجه آنذاك نحو أمريكا والجزائر.
ورغم دعوات الإعلاميين والشخصيات العامة، كما يشير فيلار، لم تُعر الدولة الإسبانية اهتمامًا يُذكر لتشجيع الهجرة إلى بلد لم تكن لها فيه أطماع توسعية، وكانت ترغب في ضمان استقرار وضعه الراهن فحسب. واقتصرت حمايتها على المصالح التي نشأت بفعل هجرة عفوية، وإن كانت محدودة، لرجال أعمال وتجار وحرفيين من قادس ومالقة، وبعض المزارعين الأندلسيين والقادمين من شرق إسبانيا، الذين عادوا أحيانًا من الجزائر واستقروا في ظل نظام قانوني تفضيلي.
طنجة والكتّاب والمفكرون الإسبان:
من بين أولئك المهتمين بالترويج للهجرة إلى المغرب، برز خواكين كوستا. ففي اللقاء الذي عُقد في مسرح الحمراء، والذي دعت إليه الجمعية الإسبانية لعلماء إفريقيا والمستعمرين في 30 مارس 1884، عبّر، بشيء من المبالغة، عن “مدى سحر هذا البلد (المغرب) على مهاجرينا؛ ومدى سرعة استيطان المستعمرين الإسبان لسهول تطوان وطنجة في أعقاب الحرب، حيث شرعوا في إنشاء العديد من الصناعات والمحاصيل الجديدة هناك”.
شجّعت الاستنتاجات التي قُدّمت إلى الكورتيس (البرلمان الإسباني) في ذلك الاجتماع على تعزيز جميع أنواع العلاقات بين الشعبين الإسباني والمغربي، وإزالة العوائق التي تحول دون ذلك أو تعيقه، وإقامة طرق تجارية وروابط اجتماعية وثقافية بين ضفتي المضيق، ولو بشكل مصطنع إن لزم الأمر. ولتحقيق هذه الغاية، حثّوا على إعادة توطين الأرياف المحيطة بممتلكات سبتة ومليلية – بأعلى كثافة ممكنة – لتحويلها إلى مستوطنات زراعية، وأكدوا كذلك على مطالبة السلطان بتسهيل توطين الإسبان في أي نقطة من الإمبراطورية.
كما أن الصحفي خوسيه بوادا إي روميو، الذي سافر إلى المغرب سنة 1889 في إطار بعثة موَّلتها جمعية تنمية العمل الوطني (وهي منظمة أرباب العمل الكتالونية)، بسلسلة من المشاريع الرامية إلى تعزيز العلاقات التجارية بين الكتالونيين والمغرب، دافع في كتابه ما وراء المضيق عن مزايا طنجة كوجهة للهجرة الإسبانية، نظرًا لقربها، قائلاً:
“يجب على إسبانيا أن تبذل جهدًا لتوجيه موجة الهجرة المتزايدة هذه، لا نحو القارة الأمريكية ولا نحو المقاطعات الجزائرية، بل إلى المغرب، حيث يكمن المستقبل الحقيقي للصناعة الإسبانية، في هذا الاتجاه ينبغي أن يوجّه رجال الدولة من جميع الأحزاب اهتمامهم، فالعمال الإسبان مطلوبون بشدة في الأعمال الزراعية، وكذلك البناؤون والنجّارون الذين يحصلون على أجور مرتفعة نسبيًا”.
في غضون بضع سنوات، سيحدث ارتفاع ملحوظ في أعداد الوافدين على المدينة، إذ تُسجِّل دفاتر التسجيل بالقنصلية الإسبانية في طنجة بين سنتي 1888 و1895، متوسطًا قدره 178 دخولًا سنويًا، ليرتفع المتوسط بين 1907 و1910 إلى 553 دخولًا سنويًا.
وتشير بيانات البعثة الفرنسيسكانية في طنجة إلى وجود 4704 من المسيحيين في المدينة سنة 1897، وهو رقم تقريبي استمر حتى سنة 1902 ومنذ سنة 1903 بلغ العدد 5.282 ثم ارتفع العدد سنويًا على النحو الآتي:
1904:6450ـ 1905:7800ـ 1906: 8279ـ 1908: 8323ـ 1910: 8623ـ 1911:9762.
إلى أن وصل العدد في سنة إقامة نظام الحماية إلى نحو 10.000 مسيحي، دون تحديد جنسياتهم.
أما في باقي المدن المغربية، فكان عدد السكان المسيحيين ضئيلاً جدًا وثابتًا تقريبًا، باستثناء الدار البيضاء منذ سنة 1907، التي تجاوز عدد سكانها المسيحيين عدد نظرائهم في طنجة ابتداءً من سنة 1914.



