
سعاد بولعيش : فاعلة مدنية وسياسية
ليست الجهوية في طنجة تطوان الحسيمة مجرد خيار إداري، بل رهان سياسي وتنموي حاسم. وإذا كانت هذه الجهة تُقدَّم اليوم كنموذج اقتصادي صاعد، فإن الأرقام وحدها تكشف مفارقة عميقة: قوة في المؤشرات، مقابل اختلال في التوزيع والتمكين.
أولًا : من حيث الوزن الديمغرافي، تضم الجهة أكثر من 4.03 مليون نسمة حسب إحصاء 2024، أي ما يجعلها من أكبر الجهات من حيث الكتلة السكانية . هذه الكتلة ليست مجرد رقم، بل تعني ضغطًا متزايدًا على الخدمات الأساسية، وعلى سوق الشغل، وعلى البنيات التحتية. ومع ذلك، لا تزال الفوارق المجالية داخل الجهة صارخة بين محور طنجة–تطوان والمناطق القروية والجبلية.
ثانيًا : اقتصاديًا، تُعد الجهة القطب الثاني على الصعيد الوطني، وتساهم بحوالي 10.9% من الناتج الداخلي الخام ، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي على مضيق جبل طارق ومن بنياتها الكبرى. غير أن هذا الوزن الاقتصادي لا ينعكس بنفس القوة على مؤشرات التشغيل أو العدالة الاجتماعية، حيث تستمر جيوب الهشاشة في أقاليم مثل شفشاون ووزان والحسيمة.
ثالثًا :على مستوى المجال، تمتد الجهة على حوالي 11.570 كلم² فقط، لكنها تختزن تنوعًا ترابيًا حادًا بين الساحل المزدهر والداخل المهمش . هذا التفاوت ليس طبيعيًا فقط، بل هو نتيجة اختيارات عمومية لم تنجح بعد في تحقيق التوازن المطلوب.
هنا تبرز الإشكالية الحقيقية: هل نمتلك جهوية بالأرقام، أم جهوية بالقرار؟
إن استمرار تركيز المشاريع الكبرى في أقطاب محدودة، مقابل بطء فك العزلة عن العالم القروي، يفرغ الجهوية من مضمونها. فلا معنى لجهة تنتج الثروة، دون أن توزعها بعدل. ولا جدوى من مؤسسات جهوية، إن لم تكن قادرة على توجيه الاستثمار وفق أولوياتها الخاصة.
الرهان اليوم يجب أن يكون واضحًا وملزمًا:
نقل فعلي للاختصاصات من المركز إلى الجهة، وليس مجرد تفويض شكلي
ربط الاستثمار العمومي بمؤشرات العدالة المجالية، لا فقط بالجدوى الاقتصادية
توجيه جزء من عائدات المشاريع الكبرى نحو تنمية الأقاليم الأقل استفادة
اعتماد تعاقد جهوي واضح قائم على النتائج، مع آليات تقييم ومحاسبة
إن الجهوية في هذه الجهة ليست خيارًا تقنيًا، بل امتحان سياسي حقيقي. فإما أن تتحول إلى رافعة لتقليص الفوارق، أو تبقى مجرد واجهة رقمية تخفي اختلالات عميقة.
وأكيد أن جهة طنجة تطوان الحسيمة قوية بأرقامها نعم. لكنها تحتاج إلى جرأة سياسية لتكون قوية بعدالتها والجهوية في نهاية المطاف لا تُقاس بما يُنجز في طنجة كمدينة كبيرة ، بل بما يتغير في محيطها داخل القرى المنسية.



