تدبير الشأن المحلي بجهة طنجة تطوان الحسيمة : اختلالات الحكامة وتحديات الإنجاز

في وقت تعيش فيه فئات واسعة من ساكنة جهة طنجة تطوان الحسيمة ضغط الهشاشة وارتفاع كلفة العيش، تكشف قراءة دقيقة في حصيلة مكاتب مجالس الأقاليم عن مفارقة صادمة: نفقات مرتفعة في التسيير والاستهلاك، مقابل أثر تنموي محدود على الأرض.
أولاً: المال العام بين موائد الاجتماعات وضعف الأولويات
تفيد المعطيات المتاحة أن مصاريف الاجتماعات والدورات، بما فيها الإطعام والتعويضات واللوجستيك، بلغت في عدد من المجالس ما بين 300 ألف و800 ألف درهم سنوياً، أي ما يعادل 5% إلى 10% من الميزانية الإجمالية.
هذه الأرقام، في سياق ميزانيات هزيلة أصلاً لا تتجاوز أحياناً 30 إلى 50 مليون درهم، تعني ببساطة أن جزءاً غير يسير من المال العام يُستهلك في التسيير بدل توجيهه إلى الاستثمار المنتج. أي منطق يبرر تضخم نفقات الاستهلاك في مؤسسات يفترض أن تكون رافعة للتنمية؟
ثانياً: عجز مزمن عن خلق الموارد
الأخطر من ذلك هو غياب أي اجتهاد حقيقي لرفع المداخيل. فالمؤشرات تؤكد أن أكثر من 80% من الموارد تأتي من التحويلات المركزية، بينما تظل المداخيل الذاتية ضعيفة، لا تتجاوز في أفضل الحالات 10%.
هذا الواقع يعكس ثقافة اتكالية في التدبير، وغياب رؤية اقتصادية جريئة قادرة على استقطاب الاستثمار أو تثمين المؤهلات المحلية. أين هي الشراكات مع القطاع الخاص؟ أين هي المشاريع المدرة للدخل؟ أم أن الأسهل هو انتظار الدعم المركزي؟
ثالثاً: نخب بلا تكوين كافٍ… وتدبير بلا أثر
لا يمكن الحديث عن النجاعة دون طرح سؤال الكفاءة. فضعف التكوين، إلى جانب نسب مقلقة من الأمية أو شبه الأمية التي تتجاوز 20% في بعض التقديرات داخل المنتخبين المحليين، ينعكس بشكل مباشر على جودة القرار.
والنتيجة: تدبير تقليدي، قرارات قصيرة النظر، وعجز عن بلورة مشاريع مهيكلة قادرة على إحداث تحول اقتصادي واجتماعي حقيقي.
رابعاً: حصيلة على الأرض دون التطلعات
رغم تسجيل بعض التدخلات في النقل المدرسي وفك العزلة، فإنها تظل حلولاً جزئية لا ترقى إلى مستوى انتظارات الساكنة، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من ثلث سكان العالم القروي بالجهة ما زالوا يعانون من ضعف الولوج للخدمات الأساسية.
بمعنى آخر: الأموال تُصرف، البرامج تُعلن، لكن الأثر يبقى محدوداً.
خلاصة الموقف: خلل بنيوي لا يمكن تبريره
ما يجري اليوم ليس مجرد تعثر عادي، بل اختلال في منطق التدبير نفسه:
نفقات استهلاكية مرتفعة
ضعف في تنمية الموارد
محدودية في الكفاءة والتأطير
غياب أثر تنموي ملموس
إن الاستمرار بهذا النهج يفرغ المجالس من دورها، ويحولها إلى هياكل لتدبير الحد الأدنى بدل صناعة التنمية.
وعليه، فإن المرحلة تفرض إجراءات مستعجلة وطنية تحمل في طياتها إرادة جادة ومسؤولة لتجويد مستوى الأداء:
- تقليص صارم لنفقات التسيير، خاصة مصاريف الاجتماعات والإطعام
- نشر تفصيلي وعلني لكل بنود الميزانية تعزيزاً للشفافية
- تأهيل إلزامي للمنتخبين وربط المسؤولية بالكفاءة
- إطلاق دينامية حقيقية لخلق مداخيل ذاتية عبر شراكات واستثمارات
- تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة بناءً على نتائج ملموسة
وأكيد أن رهان التنمية لا يُكسب بالخطاب، بل بحسن تدبير كل درهم من المال العام.
وأي استمرار في هذا الوضع هو ببساطة تكريس للهدر بدل التنمية، وللاستهلاك بدل الأثر.



