
في مشهد أثار الكثير من علامات الاستفهام حول مهنية الإعلام العمومي وحدود الحياد المفترض في البرامج الحوارية، قدم الصحفي بالقناة الأولى يوسف بلهيسي في برنامجه الجديد للحديث بقية على القناة المغربية الأولى واحدة من أكثر حلقات الحوار السياسي إثارة للجدل، خلال استضافته للدكتور إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام لحزب حزب العدالة والتنمية ووزير الميزانية السابق.
الحلقة التي كان يفترض أن تشكل مساحة للنقاش السياسي الرصين، تحولت في نظر متابعين إلى ما يشبه جلسة مساءلة منحازة، بدا فيها مقدم البرنامج وكأنه يتقمص دور المدافع عن رئيس الحكومة عزيز أخنوش، أكثر من كونه صحفيا مطالبا بإدارة حوار متوازن يتيح للمشاهد فهم المواقف السياسية المختلفة دون توجيه أو اصطفاف.
الانتقادات التي طالت يوسف بلهيسي لم تأت فقط بسبب حدة الأسئلة، بل بسبب الطريقة التي أدار بها الحوار، والتي اتسمت ـ بحسب متابعين ـ بمحاولات متكررة لإرباك الضيف والتشويش على أجوبته، في خروج واضح عن قواعد إدارة النقاش المهني. كما أن المقارنة مع حلقات سابقة استضاف فيها شخصيات سياسية أخرى، خصوصا من الأغلبية الحكومية، أعادت طرح سؤال الكيل بمكيالين داخل الإعلام العمومي، بعدما بدت تلك اللقاءات أكثر هدوءا ومجاملة وأقرب إلى الحوارات البروتوكولية منها إلى المحاسبة الصحفية الحقيقية.
ويطرح هذا السلوك الإعلامي تساؤلات عميقة حول استقلالية الإعلام العمومي بالمغرب، خاصة حين يتعلق الأمر بحزب يوجد حاليا في صفوف المعارضة ولا يتحمل مسؤولية التدبير الحكومي المباشر. فبدل أن تتجه البرامج الحوارية نحو مساءلة أصحاب القرار التنفيذي والسياسات العمومية القائمة، اختارت القناة الأولى توجيه نيرانها نحو معارض سياسي، في مشهد اعتبره كثيرون انعكاسا لحالة الارتباك التي لا يزال يثيرها حضور حزب العدالة والتنمية داخل المشهد السياسي.
ورغم الأجواء المشحونة ومحاولات المقاطعة المتكررة، ظهر إدريس الأزمي محافظا على هدوئه وتركيزه، مستندا إلى معطيات دقيقة وأرقام سياسية واقتصادية وظفها في الرد على مختلف الأسئلة، وهو ما جعل الحلقة تتحول تدريجيا من محاولة لإحراج الضيف إلى مواجهة كشفت حجم التوتر الذي يثيره خطاب المعارضة داخل بعض المنابر الرسمية.
الأكثر إثارة للانتباه، أن نفس الجرأة التي أبداها يوسف بلهيسي خلال هذا الحوار، لم تظهر بالحدة نفسها في لقاءات سابقة مع رئيس الحكومة عزيز أخنوش، والتي اتسمت ـ بحسب منتقدين ـ بقدر كبير من الليونة والمجاملة، رغم أن أخنوش يقود الجهاز التنفيذي ويتحمل المسؤولية المباشرة عن تدبير عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية المثيرة للجدل. بل إن بعض تلك الحوارات، ورغم نعومة الأسئلة، أظهرت رئيس الحكومة في حالة ارتباك وتلعثم واضحين، ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة للإعلام العمومي بشأن انتقائية الصرامة المهنية.
ما وقع في هذه الحلقة لا يمكن فصله عن أزمة أعمق يعيشها الإعلام العمومي، حيث تتراجع المسافة الفاصلة بين العمل الصحفي والتعبير السياسي، وتصبح بعض البرامج الحوارية أقرب إلى منصات لتصفية الحسابات أو إعادة إنتاج الرواية الرسمية، بدل أن تكون فضاء حقيقيا للنقاش الديمقراطي وتعدد الآراء.



