سياسةشمال 360مقال رأي

من أين لك بالمليار يا نزار؟

حميد المهدوي: صحفي
في أي دولة تحترم مواطنيها، حين تُنْشر وثيقة، مرتبطة بعقد عقاري يخص مسؤولا سياسيا، يكون المنتظر في أي نقاش ديمقراطي إما نفي الوثيقة، أو تأكيدها وتبريرها، أو اللجوء إلى القضاء؛ لكن أن يتحول النقاش فجأة من “هل العقد صحيح؟” إلى “الوطن مستهدف”، فذلك يكشف أزمة أعمق من مجرد تسريب. الأزمة هنا هي الخلط بين الشخص والمؤسسة، بين السياسي والدولة، وكأن مساءلة مسؤول حزبي أصبحت مسا بالمغرب نفسه.
حفيد علال الفاسي( ويا حسرة) نزار البركة، وبدل أن يخرج ليفند الوقائع المرتبطة بالعقد المتداول، ويشرح للرأي العام تفاصيل الأداء أو السياق القانوني للعملية، اختار خطابا آخر، قِوامهُ “خفافيش الظلام”، “الحرب الرقمية”، “استهداف المؤسسات”، “تمويلات خارجية”.
طبعا، معالي الوزير لاينقصه الذكاء، لهذا فضل الانتقال من حرج السؤال إلى تخويف الجمهور من السؤال نفسه؛ فبدل مناقشة أصل القضية، جرى تحويل المنتقد إلى مشتبه فيه وطنيا.
في الولايات المتحدة الأمريكية، تعرض دونالد ترامپ لتحقيقات إعلامية وقضائية مست ضرائبه وعلاقاته وشركاته وحتى تأثير تصريحاته على البورصة، ومع ذلك لم يقل إن أمريكا مستهدفة لأن الصحافة ناقشت ملفاته. وفي فرنسا، مثل نيكولا ساركوزي، أمام القضاء وتعرض للإدانة، دون أن تتحول مساءلته إلى اعتداء على الجمهورية؛ لأن الديمقراطيات الحديثة قامت على فكرة جوهرية أساسها أن الدولة أكبر من المسؤول، والمؤسسات لا تختبئ خلف الأشخاص.
الخطير في هذا النوع من الخطاب أنه لا يدافع عن المؤسسات كما يدعي، بل يضعفها؛ لأن المؤسسة القوية لا تخاف من السؤال، ولا تعتبر الصحافة عدوا، ولا تحول النقاش العمومي إلى معركة تخوين.
حين يصبح كل ملف محرج “استهدافا للوطن”، فإن النتيجة الطبيعية هي قتل السياسة نفسها، لأن المواطن سيفهم أن بعض المسؤولين فوق النقد، وأن مجرد مناقشة معاملاتهم الخاصة قد تجعله متهما بالعمالة أو التآمر.
والأخطر أن هذا المنطق يتكرر كلما تعلق الأمر بالعقار أو النفوذ أو تضارب المصالح، فنفس اللغة استعملت في ملفات أخرى مرتبطة بأسماء نافذة داخل حزب الاستقلال، حيث تحولت الأسئلة حول أراضي الدولة والعقود والأثمنة إلى حديث عن ” استهداف الصحراء” أو ” استهداف عائلات وطنية قدمت الكثير”؛ وكأن الوطنية أصبحت حصانة سياسية، وكأن التاريخ الحزبي أو العائلي يعفي من المساءلة، والحال أن قيمة المسؤول لا تقاس بقدرته على الاحتماء بالشعارات، بل بقدرته على الإجابة عن الأسئلة.
الفيلسوف “مونتيسكيو” كان يعتبر أن الاستبداد يبدأ حين تختلط الحدود بين الأشخاص والمؤسسات. واليوم يبدو أننا أمام نسخة جديدة من هذا الخلط؛ السياسي الذي يتحدث عن نفسه وكأنه الدولة، وعن مساءلته وكأنها تهديد للوطن.
لكن الحقيقة أبسط من كل هذا الضجيج، فالمغرب ليس عقدا عقاريا، وليس حزبا، وليس مسؤولا مهما كان موقعه، المغرب الحبيب أكبر من الجميع، ولذلك فهو لا يضعف بالأسئلة، بل يضعف حين يخاف منها.
بكلمة، من أين لك المليار يا نزار؟

الشمال 360

منصة الكترونية شاملة تتناول قضايا شمال المغرب من كل الزوايا وفق رؤية جديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى