
بقلم: رشيد غلام — من مشفى في لندن
أكتب لكم وقد أرخى الليل سدوله، وخيّم على المشفى الظلام، وإلتحف كل مريضٍ ألمَه كالتحاف عاشق، وتوسّد أنينه كوسادة ناعمة ، يشرح وجعه بأنّات وآهات ملحونة متوسّلة إلى الباري أن يأتي الصبح بما يحمده كل عليلٍ من الشفاء والبُرء.
نوم المريض على انتظار الفرج عبادة قهريّة تظهر فيها قاهريّة الرحمن القادر ، وأمل في الله يجعله متشبّثا بالحياة أكثر. والاضطرار حالة من العجز والضعف جعلها الله سببا لإجابته ونجدته، يجيب كل مضطرّ من عباده، لا ينظر دينه ولا خلقه. الاضطرار وحده عبوديّة ؛ تستدعي إغاثة الرب اللطيف الودود.
ما أكثر ما يجد المريض اسم الله الودود في لطف ورعاية الناس به خصوصا فرقة الرعاية الطبية . وفي وجوه عواده وزائريه ، ودعاء الناس له ومواساتهم الحانية.
الودود من أعجب أسماء الله تعالى؛ الودود هو المحبوب الذي يتودّد ويتحبّب لغيره . فالله تعالى يتودّد إلى خلقه بنعمه ولطفه سبحانه، لكي يحبّوه ويطلبوه، وهو الغنيّ عنهم.
يبسط عليهم ما يحبّون ؛ لكي يحبّوه. يتودّد إلى قلوبهم بالإحسان والكرم، ويبتليهم بالشر والخير لكي يرى اللجوء والضراعة منهم والشكر ؛ فيسرع بالنجدة إليهم ويتداركهم بألطافه وأعطافه. في كلّ أحوالهم يجدونه ، وفي كلّ أحوالهم يكلؤهم بعنايته وكرمه، هو لهم ربّ كاف وكيل.
في الليل البهيم، نام الكلّ وقد تغمّده همّه. عادة الناس أن يحملوا معهم همّ النهار إلى رقدة النوم ، فينامون بين رجاء ودعاء، أو كرب وغمّ. ينام أهل الدنيا بهمّ الدنيا، وينهض المحبّون الطالبون لله وما عنده، يبثّون في الليل الحياة بتهجّدهم ، ويحيون قلوبهم بذكر المولى ، وينعمون في مجالسة ربّهم ويأنسون بقربه، في حضرة القرب ليلا.
يشبه الليلُ الدنيا في شكله ؛ فالناس فيه نيام ، لا ينتبهون لنداء الله في السحر إلا القليل ، حتى يفاجئهم نهار القيامة ، فاذا هم مستيقضين ، وتشرق الأرض بنور ربّها . فإذا بهم ليس لهم حظّ من دنياهم إلا ما ذكروا فيه ربّهم وكانوا في مرضاته.
قرأت دعواتكم الطيّبة وتعليقاتكم المواسية، بارك الله فيكم . واستوقفني قول بعضكم: «مسكين لم ينل حظّه» ، فأحببت أن أعلمكم أنّ حظّي من الدنيا هو أن استعملني الله في مرضاته ، ولم يجعلني بوقا للباطل ولا بخورا للظلمة. حظّي أن أكرمني الله بأن أكون صوتا يعلي كلمته في الأنفس والآفاق، صوتا للمقهورين والضعفاء، وليس مهرّجا في سيرك أهل الغواية.
والرجاء في الله أن يجعل هذا الإحسان مقدّمة لإحسان الآخرة عنده، فألقاه مع أهل الكرم والمنّة العظمى. قصدنا أن نكون نجوما في الآخرة لا تأفل، في صحبة النبيّين والصّدّيقين، لا نجما من نجوم الدنيا الزائلة.
أن تسخّر موهبتك في سبيل واهبها ؛ عمل شريف وشكر جزيل. إنّ أبناء الدنيا وعبدة طاغوت الشهرة والحظوة لا يدركون مدى الفرح والسعادة التي يحسّ بها من سخّر حياته كلّها لله عزّ وجلّ. فرحة وسكينة ورضا واستغناء لا يوصف.
فلا نأسف والحمد لله على دنيا فانية ملعونة، ما أكثر ما عرضت نفسها علينا وأعرضنا عنها . الذي نطلبه هو رضا الله ووجهه الكريم، في سعادة الآخرة الأبديّة. نسأل الله الثبات وحسن الخاتمة.
الله ودود حين أخرجك في عالم الخلق وليدا، من بعد مخاض مؤلم، جعل فرحتك بالإيجاد ، وأمدّك بكلّ ما يقيمك ، فدرّ لك طعاما شافيا من ثدي حانٍ ، وأتبعك بالنّعم والإرفاق حتى صرت ولدا يافعا، فشابّا مقتدرا، فرجلا سويّا. صاحبك في كلّ أطوارك بالرعاية والعناية، في تقلّبك بين الوجوه والأحداث والحالات، كان معك بحفظه وكلاءته، ومعقّبات حافظات من بين يديك ومن خلفك، لم يغفل عنك أبدا، ولم يشحّ عنك في إيصال ما ينفعك، بقدره وأجله.
ودود؛ حين اعتنى كبذرة تدفن في التراب وترفس بالأقدام وتعاني ذل الدس ثم أنبثك زهرة حين سقاك بماء الحياة ، بارعا متفتحا فواحا .
ودود ؛ حين جعل لك من بني جنسك سخريا ، ودود ؛ حين جعل بعضكم لبعض فتنة و سبل ومرقاة ، ودود ؛ حين سخر لك كل ما في الوجود نعمة و رحمة .
ودود حين أذاقك طعم الفرح والسرور، ودود حين علّمك بالمنع والكسر والحرمان. في كلّ ذلك كان ربّا يربّيك بتغيّر الأحوال والمشاعر حتى تكبر بدنيّا ووجدانيّا. كان يرعاك في كلّ أطوارك.
ودود حين أرسل الرسالة تدلّك على السبيل إليه. وأمرك ونهاك لما فيه سعادتك وهناك ، ودود حين هدى قلبك إليه، ورغّبك في نفسه، وأطمعك في رحمته وكرمه ، وأمّلك في العقبى لديه . وأعظم رجاءك فيه غفرانه وعفوه كي لا يوحشك ذنب، ولا يقنّطك شيطان، ولا يصرفك هوى.
ودود حين بعث نبيّه سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم هديّة يهدي بها قلبك إليه، وجعله لك أسوة وعليك حريصا ، ولك شافعا .
ودود حين نضح في الوجود جماله ، وجعل كلّ زينة فيه دالّة عليه. في كلّ شيء جميل تسمعه أو تراه أو تشمّه قبس من جماله العظيم، يطمعك في شهود الجمال الأعظم ؛ النظر إلى وجهه العظيم يوم القدوم عليه.
ودود حين أوجدك إنسانا، وحين أنبتك نباتا ، وحين يبعثك خلقا آخر . خالق مقتدر وربّ كريم وباعث عظيم سبحانه . في كلّ دورة الإيجاد والبعث كان القصد منها أن تعرفه وتجده ، وتطلبه وتعبده .
ودود في كلّ أطوارك، كان أرأف بك من كلّ ما سواه ، وكان مع حبّه لك أرحم بك من نفسك. وكذلك يكون حين تلقاه رحيما عطوفا كريما، كما يليق به سبحانه.
الله تعالى هو الودود الحق : لأنه هو الظاهر بالمحبة على عباده كلهم ، ولقد وسعهم علما وقدرة وحلما ورحمة بل تجلى عليهم بكل كمال وجمال من حقائق أسماءه الحسنى وصفاته العليا ، وبكل شيء ؛ وجودا وتكوينا وإنعاما وهدى ، و وصلهم وأمدهم بالبر والإحسان وبالعدل والغفران حتى يصلوا لأحسن غاية لهم ، فلطف بهم وغفر لهم مساوئهم بلطف وتحنن فهو الودود الكريم المنعم الجواد .
والودّ من الله الودود سبحانه جلّ شأنه ظاهر في تجلّي كلّ الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهيّة ، وفي ظهور آثار صفاته بأفضل جمال وكمال جلال . فسبقت رحمته غضبه ، ورافق علمه حلمه ، ولازم لطفه تقديره ، فهو العفوّ الغفور العزيز الحكيم . وهكذا في مراتب الأفعال في كلّ مراتب الكون، ولذا قال العارفون له سبحانه: بالحبّ ظهر الوجود . ومنه ما ورد في الأثر: كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف. وهذا مأخوذ من ظهور الحبّ على الحقيقة نورا في كلّ الكون.
إذا علم العبد أنّ الله يودّه ويتحبّب إليه ويدعوه إلى محبّته، سعد قلبه بالثقة فيه والرجاء ، وأسرع الخطو نحوه لا يعيقه ذنب ولا طاعة، ولا محنة ولا منحة. وطرِب قلبه من النداء الحبّي الودّي الإلهيّ ، فأنس بلطفه في كلّ الأقدار ، وسكن لتدبير الله له في اختلاف المقادير والأطوار ، وقام لشكره بالليل والنهار.
وصلّى الله وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
فيا ودود يا ودود برحمتك نستغيث.



