تاريخ وجغرافياثقافة

من تاريخ بادية الشمال: حوز تطوان  [1]

بلال الداهية

إذا كانت مدينة تطوان في صورتها الحالية قد تأخر بناؤها إلى فترة مطلع العصر الحديث مع هجرة أهل الأندلس، فإن حصن “تطاوين” كان موجودا في العصور الوسطى وتعاقبت عليه منذ عهد الأدارسة ثم أمويي الأندلس فالمرابطين والموحدين وأخيرا عصر بني مرين مراحل الهدم وتجديد البناء، حتى خرب نهائيا على يد الإسبان سنة 1399 ثم البرتغاليين سنة 1437 وهو التخريب الذي شكك فيه ابن عزوز حكيم.

وإذا كان الحوز ينسب عادة إلى مركزه، وقبيلة الحوز معروفة ب”حوز تطوان” لأنها محيط هذه المدينة من الجهة الشمالية، فإن حصن تطاوين القديم كان مركزا لقبيلة غمارية تعرف ب”مجكسة”، وهي التي تغير اسمها مع تجديد بناء تطوان في مطلع العصر الحديث، فاختفى اسم “مجكسة” وحل محله اسم “الحوز”.

لقد ناقشنا مسألة الاختفاء بعض الشيء في كتابنا “تطوان وباديتها”، وخلصنا من خلال مجموعة من النصوص إلى أن الاحتمال الأكبر أن الكثير من الناس صاروا يأنفون من الانتساب إلى مجكسة، وهي القبيلة ذات الماضي العقائدي المضطرب، ومع قدوم البرتغاليين وغزوهم للمنطقة قرية قرية، ثم سقوط الأندلس، حدث تغيير مهم في التركيبة السكانية، فحلت بالقبيلة عائلات جديدة فضلت أن تذكر أنسابها مقترنة بمعطى جغرافي هو حوز المدينة – مدينة تطوان – على أن تذكر مع اسم قبيلة مجكسة الذي لم يكن ماضيه النحلي يختلف كثيرا عن اسم “برغواطة” الذي بقي دائما ملتصقا بالوثنية والشرك.

معلوماتنا عن سكان الحوز القدماء قليلة، ولا شك أن هذه الناحية عرفت استقرارا بشريا قديما إذ وجدت الكثير من البقايا الأثرية على طول ساحلها المطل على البحر الأبيض المتوسط، وخاصة بجبل رأس الطرف. ولا تخلو بعض مداشر القبيلة من خرائب قديمة، ومنها في مدشر “سمسة” في حومة منها تسمى “إفران” أو “الحومة الوسطى”، حيث مقابر جماعية مجهولة يتوسطها ضريح “سيدي الحجوجي” – من أولاد ابن عجيبة – ويسمى موضع هذه المقابر “الخراب”، وكان الأقدمون يزعمون أنه مقر كرسي الأميرة “شمسة” القوطية التي ينسب المدشر كله إليها، وكان القوط الغربيون بعد حلولهم بالمنطقة قد عينوها حاكمة عليها وكلفوها بجمع الضرائب، فاختارت ذلك الموضع للنزول به، وهو موضع حصين جدا ومليء بالكهوف والمغارات، ومنه جاء اسمه “إفران” الذي يعني “الكهوف”، مما يتيح لمن يتعرض لهحوم إمكانية الاحتماء به. وإجمالا فإن عدد المقابر الكبير الموجود بمدشر “سمسة” هذا يؤكد أن هذا المدشر تعاقبت أمم من البشر على استيطانه منذ القدم.

ومع دخول الإسلام إلى المنطقة نجد إشارات واضحة داخل المصادر إلى عناصر بشرية عمرت المنطقة أولها المجكسيون المنحدرون من ماجكس أحد زعماء قبائل غمارة، وكان وثني الديانة، استغل ثورة الخوارج واضطراب الأوضاع وتراجع سلطة الخلافة بعد قيام البربر على عمر المرادي نائب طنجة، ليدخل إلى سبتة مع أتباعه ويقوم بتخريبها، ثم يعتنق الإسلام مخلفا أبناء منهم انحدرت قبيلة مجكسة، وكان أحدهم وهو المدعو عصاما قد خلفه في حكم سبتة وأسس بها إمارة بني عصام.

ومع مرور الزمن تكاثرت قبيلة مجكسة وأصبحت تتمتع بنفوذ كبير في المنطقة، وتميزت منها عشيرة بني وجفوال بن وزروال – أحد أبناء ماجكس – التي توارث أفرادها الكهانة والسحر فاشتهر منهم أبو خلف من الله ومن بعده ابنه عبد الله الملقب ب”حاميم” وأخته “دبو” وعمته “تانفيت”، وكلهم وصفوا في المصادر بأنهم كهنة سحرة، وأن القبيلة كانت تستغيث بأولئك النسوة الساحرات في حروبها، بل إن حاميما ادعى النبوة وصاغ لقومه قرآنا بلغتهم على غرار قرآن برغواطة، واتبعه خلق كثيرون، فأوفد إليه الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر عسكرا التقوا به عند قصر المجاز، وانتهت المعركة بهزيمة حاميم ومقتله، وقد نقل بعض أولاده إلى الأندلس فاستوطنوها وعرف أحدهم فيها ب”ابن المفتري”، وبقي أعقابه من بعده يتمتعون بنفوذ كبير على القبيلة كلها. وقد ذكر الإدريسي أن حصن تطاوين هو قاعدتهم، ولم يختلف وصف ابن خلدون عمن سبقوه حينما ذكر أن أهل مجكسة بارعون في السحر لعهده – وهو عهد متأخر قريب من تاريخ سقوط سبتة في يد البرتغاليين – بل إن وصفه هذا يدل على أن السحر عندهم كان أشبه بعلم يدرس ويرتبط بالفلك والرياضيات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى