جهة الشمالشمال 360مقال رأي

جهة طنجة تطوان الحسيمة بين بريق الاستثمارات ومرارة البطالة.

سعاد بولعيش

تُعد جهة طنجة تطوان الحسيمة من أهم الأقطاب الاقتصادية بالمغرب، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي والمشاريع الكبرى التي تحتضنها، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط والمنصات الصناعية واللوجستيكية المرتبطة بصناعة السيارات والنسيج والخدمات. ورغم هذه الدينامية الاقتصادية، ما تزال إشكالية التشغيل تطرح تحديات حقيقية، خاصة في صفوف الشباب والنساء والعالم القروي.
وتشير معطيات حديثة للمندوبية السامية للتخطيط إلى أن الجهة تضم ما بين 11.4% و11.7% من مجموع السكان النشيطين بالمغرب، مع معدل نشاط اقتصادي يفوق 47%، وهو من أعلى المعدلات وطنياً. كما تراوح معدل البطالة بالجهة خلال سنة 2025 بين 8.9% و11.2%، وهي نسب تبقى أقل من المعدل الوطني، لكنها تخفي تفاوتات مجالية واجتماعية واضحة بين مختلف أقاليم الجهة ،
ورغم الاستثمارات الضخمة، فإن فرص الشغل ما تزال تتركز أساساً في محور طنجة الكبرى، بينما تعاني أقاليم أخرى من ضعف الاستفادة من الدينامية الاقتصادية، سواء بسبب محدودية الاستثمار أو هشاشة البنيات الاقتصادية المحلية.
وفي هذا السياق، تبرز وضعية إقليم الفحص أنجرة كنموذج لهذا التناقض التنموي، فرغم احتضان الإقليم لميناء طنجة المتوسط، أحد أكبر المشاريع الاقتصادية واللوجستيكية بإفريقيا، إضافة إلى مناطق صناعية وممرات دولية استراتيجية، فإن عدداً من جماعاته ما يزال يعاني من ضعف فرص التشغيل وارتفاع البطالة والهشاشة الاجتماعية، خصوصاً بالمناطق القروية.
ويعتبر عدد من شباب الإقليم أن التنمية الاقتصادية الكبرى التي يعرفها المجال الترابي للفحص أنجرة لم تنعكس بالشكل الكافي على التشغيل المحلي، في ظل استمرار معاناة فئات واسعة مع البطالة وضعف الإدماج المهني، مما يدفع العديد منهم إلى البحث عن فرص خارج الإقليم أو الهجرة نحو مدن أخرى.
كما تواجه أقاليم أخرى بالجهة تحديات مماثلة، حيث تعاني الحسيمة وشفشاون ووزان من محدودية الاستثمار وفرص الشغل، بينما تواجه المضيق الفنيدق تداعيات الأزمة الاقتصادية المرتبطة بإغلاق التهريب المعيشي، في حين يعتمد إقليم العرائش أساساً على الفلاحة والصيد البحري دون تحقيق إقلاع اقتصادي كافٍ لتوفير فرص عمل مستقرة.
أما مدينة تطوان، فرغم مكانتها التاريخية والسياحية، فإنها ما تزال تواجه ارتفاع بطالة الشباب وحاملي الشهادات، نتيجة محدودية الاستثمار الصناعي مقارنة بمدينة طنجة.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في استقطاب المزيد من الاستثمارات، بل في تحقيق عدالة مجالية حقيقية تضمن استفادة مختلف أقاليم الجهة من ثمار التنمية، عبر:
ربط التكوين بسوق الشغل،
دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة،
تحسين ظروف العمل،
تشجيع الاستثمار بالمناطق القروية،
وإعطاء الأولوية لتشغيل الشباب المحلي.
فالرهان الأساسي لم يعد فقط خلق الثروة، بل ضمان انعكاسها بشكل عادل على حياة المواطنين بمختلف أقاليم جهة طنجة تطوان الحسيمة، لأن التنمية الحقيقية تُقاس بقدرة المواطن على العيش الكريم داخل منطقته والاستفادة الفعلية من المشاريع المنجزة فوق ترابه.

الشمال 360

منصة الكترونية شاملة تتناول قضايا شمال المغرب من كل الزوايا وفق رؤية جديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى