
نبيل شيخي : نائب برلماني سابق
يبدو أن وزارة الداخلية الموقرة قد اكتشفت أخيراً “اللقاح” السحري ضد وباء تعثر المشاريع في الجهات.
الوصفة بسيطةٌ جداً ولا تحتاج إلى مختبرات معقدة: خذ وكالة جهوية مثقلة بالروتين، انزع عنها يافطة “هيئة عمومية”، ألصق على بابها لافتة “شركة مساهمة”، والأهم من ذلك كله: أغلق الباب بإحكام في وجه قضاة المجلس الأعلى للحسابات وأمام أحكام القانون رقم 69.00 المتعلق بالمراقبة المالية للدولة على المنشآت العامة وهيئات أخرى.!
هكذا، وبضربة قلم تشريعية لا تخلو من دهاء، يتحول المال العام إلى رأسمال مرن، وتصبح المحاسبة مجرد تفصيل مزعج يعرقل مسيرة التنمية المظفرة.
السيد وزير الداخلية، في مرافعته العجيبة أمام لجنة الداخلية بمجلس النواب، أتحفنا بنظرية جديدة في التدبير المالي تستحق أن تُدرس في كبريات كليات الاقتصاد. خلاصة النظرية أن إخضاع هذه الشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع لمراقبة المحاكم المالية، أو لقانون المراقبة المالية للدولة، هو بمثابة تقييد مسبق للجهات. بعبارة أوضح وبـ”الدارجة” الفصحى، الوزارة ترى أن قضاة المحاكم المالية، حين يطلبون الفواتير ويدققون في الصفقات ودفاتر التحملات، إنما يضيعون وقتنا الثمين، ويشكلون “عصا في الرويضة” أمام قطار الاستثمار السريع المنشود.
المضحك المبكي في هذه القفزة المقاولاتية في الفراغ، هو أن هذه الشركات التي يُراد لها أن تشتغل بمنطق القطاع الخاص وتتمتع بحريته المطلقة في إبرام الصفقات، لا تملك من القطاع الخاص سوى الاسم. رأس مالها لا علاقة له بالقطاع الخاص، وليس وافدا من البورصات العالمية، بل هو مقتطع من لحم ودم دافع الضرائب المغربي. نحن نتحدث عن غلاف مالي سمين سيقفز إلى 12 مليار درهم سنوياً، سيتم وضعه رهن إشارة هذه الشركات لتتصرف فيه بـ”مرونة” و”فعالية”. وفي هذا السياق، المرونةُ تعني غالباً التخلص من “صداع الراس” الذي تسببه القوانين الصارمة، والفعاليةُ تعني صرف الميزانيات دون أن يجرؤ أحد على إخراج الآلة الحاسبة.
لقد كان بعض نواب الأمة يعتقدون أن تحويل أموال طائلة للجهات يستوجب بالضرورة تشديد الخناق الرقابي لحماية المال العام، فاقترحوا تعديلات بديهية لإخضاع هذه الشركات لرقابة المحاكم المالية، لكن جواب الوزير كان قاطعاً: “الأصل هو تمكين الجهات”. وكأن التمكين لا يكتمل إلا برفع القلم عن المحاسبة! والمفارقة أن المقاول الحقيقي يخاف على ماله الخاص ويحسب له ألف حساب، أما مقاولونا الجدد في الجهات، فسيلعبون بالملايير، وإذا أفلسوا أو تعثرت مشاريعهم، فالشعب هو الضامن والممول لـالخسائر.
ولكل الذين لا يزالون يستغربون من رفض وزير الداخلية إخضاع هذه الشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع لرقابة المحاكم المالية، فالأمر لا يحتاج إلى فك رموز. السر يكمن في هندسة واضحة؛ فالسادة الولاة، بدلا من رؤساء الجهات أصحاب الأمر، هم من سيتكلفون بتعيين المدراء، وهؤلاء
المدراء، ما داموا يحضون بالثقة التامة، هم من سيحملون صفة “الآمرين بالصرف” ويتحكمون في صنبور الملايير، على أن يظل افتحاص هذا الصرف في حضن “الدار”، وتحديداً تحت أعين المفتشية العامة للإدارة الترابية بمساعدة المفتشية العامة للمالية.
وهنا قد يسأل سائل: وما هو إذن دور رؤساء الجهات ما داموا سيترأسون المجالس الإدارية لهذه الشركات؟ الجواب بديهي جداً: دورهم المحوري والمصيري هو السهر على أن تمر اجتماعات هذه المجالس الإدارية في أجواء لا يعكر صفوها شيء وبالسرعة المطلوبة كي يستفرد، بعد ذلك، السادة المدراء المعينون بكل شيء!
إننا نؤسس اليوم لـ “إمارات مالية” مستقلة، حيث تتحول الجهة إلى “مول الشكارة” الذي يوزع المشاريع، على شركات ستتولى كل شيء، غير عابئة لا بالمحاكم المالية ولا بالقانون 69.00، ومحميةََ بـ”افتحاص داخلي” لن يعدو كونه “غسلاً ” لاختلالات وانحرافات التدبير.
ختاما، يبدو أننا بصدد إرساء دعائم “جهوية متقدمة” جداً، متقدمة لدرجة أنها تجاوزت مرحلة ربط المسؤولية بالمحاسبة، ودخلت في مرحلة “ربط الميزانية بالداخلية وبالثقة العمياء”. وإذا كان هذا هو المفهوم الجديد للاستثمار، فما علينا إلا أن نقرأ الفاتحة على المال العام، ونلغي جميع هيئات الرقابة لنوفر رواتب موظفيها، ونعلق على أبواب المؤسسات العمومية الأخرى – في إطار تعميم هذا النموذج والحرص على النجاعة وسرعة الإنجاز – لافتة كبيرة مكتوبٌ عليها: “ادخلوها بسلام آمنين.. واصرفوا ميزانياتها غير سائلين ولا مسؤولين”.



